عمرو خفاجى يكتب | أخلاقيات يناير

عمرو خفاجى يكتب |  أخلاقيات يناير

عمرو-خفاجى

من المقولات التى راجت كثيرا وطويلا بين العامة، أن السياسة عمل لا أخلاقى، وهى مقولة تم التعامل معها على اعتبار أنها بديهية غير مطروحة للنقاش، حتى أن قطاعات واسعة من الإسلاميين يعزفون كلية عن السياسة بسبب هذه المقولة، كما أن شخصيات هامة ومؤثرة لا يقتربون من العمل السياسى تحت تأثير ذلك ويضيفون عليها (أن السياسة لعبة قذرة)، ورغم أن مثل هذه المقولات تستند على مرجعيات فكرية دولية وتاريخية، بل إن بعض المؤلفات العلمية تنحاز إلى ذلك صراحة، إلا أن المراقب للتطورات السياسية على الساحة الدولية فى السنوات الأخيرة يكتشف بسهولة، مدى ضعف تلك المقولات، ومدى الغضب عليها، على الأقل من أجيال جديدة ترى فى السياسة الأحلام والأخلاق أكثر ما ترى فيها من ألاعيب ومؤمرات، هذا بالطبع لا يعنى أن السياسة لا تخلو من المؤامرات أو من الألاعيب غير الشريفة، ولكن المشهد الدولى بتفصيلاته المتعددة يكشف عن رغبة مجتمعية دولية لإضفاء المزيد من الأخلاق على الممارسات السياسية.

على المستوى الدولى، لم تقبل المجتمعات الدولية عمليات انتهاك حقوق الإنسان فى الحروب المعاصرة (مثل حروب العراق وأفغانستان) ولم تتفهم جماعات كثيرة فى أربعة أنحاء الكرة الأرضية الدوافع السياسية التى صاغتها وساقتها الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها، تماما مثلما رفض العالم فكرة التنصت على أعداد هائلة فى مختلف بقاع الأرض، وهو رفض أخلاقى بالضرورة لا يلتفت مطلقا للأسباب التى تعلنها الجهات المتورطة فى ذلك، حتى المبررات الأمنية غير كافية لإقناع الأجيال الجديدة بمثل هذه الخروقات غير الأخلاقية، وأعتقد أن قصة ويكيليكس وتسريبات سنودن، كافيتان للإشارة إلى أن البشرية تتغير وترغب فى إزاحة استباحة الأخلاق من ممارساتها السياسية.

وعلى الصعيد الداخلى، ومنذ ثورة يناير التى اختارت السلمية طريقا ومنهجا ومنهاجا لها، يبدو انحيازها للمثاليات والأخلاق منذ اللحظات الأولى، وربما كان انسحاب العديد من رموز ثورة يناير من المشهد السياسى، بسبب الممارسات السياسية اللا أخلاقية التى سيطرت على مشهد التغيير سريعا بعد تنحى مبارك، وهو ما يؤكد أن هؤلاء كانوا صادقين فى انحيازاتهم الأخلاقية، ضد كل أكاذيب وألاعيب القوى التى سيطرت على مجريات الأمور فى البلاد، وكان الأمر مؤلما أيضا لأن بعض هذه الممارسات كان ملفوفا بأغطية دينية، مما دفع البعض للكفر بكل شىء وقرر الرحيل من عبثية وعدم أخلاقية المشهد وفضل الانزواء بعيدا عن الثورة التى أطلقها أو على الأقل شارك فى صنعها.

طبعا من السذاجة، أن نحث سياسيين على الالتزام بالأخلاق وهم يواجهون الرأى العام، لكن من الواجب أن نلفت الأنظار إلى أن الدنيا تغيرت فعلا، ليس فقط فى بلادنا، بل بلادنا تغيرت فى إطار التغيير الحاصل فى الدنيا، وما كان مقبولا فى الأمس القريب، بات من الصعب قبوله الآن، وعندما ندعو للتمسك بمواقف أخلاقية فنحن ندعو لاحترام قيم ثورة يناير، وما حدث بها، ويكفى أن نشير إلى حالة الغضب من تسريبات وهجمات طالت بعض رموز الشباب، بما فى ذلك الذين لديهم موقف معارض لهم، فليس معنى اعتراض البعض على ممارسات شباب الثورة، هو موافقة ضمنية على همجية التعامل معهم، فمن الواضح أن الأخلاق ستلعب دورا حاسما فى المشهد السياسى المصرى، والذى مازال محكوما بقيم وأخلاقيات الثورة، حتى لو تصور البعض غير ذلك.

 

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.