عمرو خفاجى يكتب| اقتصاد الرحمة

عمرو-خفاجى

من المفاجآت السعيدة التى اكتشفتها خلال الأيام الماضية، أن العطاء الاجتماعى فى مصر يتفوق على كافة المنح والعطايا الأجنبية، وهذا يعنى باختصار، أن التراحم الداخلى بين أبناء الوطن الواحد يصل إلى درجات مذهلة من التناغم والتواصل تساعد فى تيسير الحياة على الكثير من الفقراء فى بلادنا، وقد قدرت دراسات حديثة حصة الفرد فى مصر من العطاء الاجتماعى بأربعة عشر دولارا أمريكيا للفرد، فى مقابل ثلاثة عشر دولارا أمريكيا للفرد من العطايا الاجتماعية، وكلا العطاءين فى الأساس يقفان بجوار العطاء الحكومى الذى لا يقدر حقيقة على مساعدة جميع مواطنيه، وهو ما نطلق عليه أحيانا «اقتصاد الرحمة»، وهى فكرة اقتصادية تعتمد فى الأساس على الوعى المجتمعى والشعور بمأزق الآخر والإحساس بمتطلباته، فكرة وجدت مساحاتها فى المجتمع بالأساس، لانعدام الثقة التام بين الحكومات والمواطنين، فيكون العطاء الاجتماعى، إلى حد ما هو البديل الجاهز للقيام بمهمات كان من المفترض أن تقوم بها الحكومة، وعلى أية حال فهذه الأعمال تتم فى الغالب تحت مسمى العمل الخيرى الذى انتشر بكثافة فى مصر فى السنوات الأخيرة، وهنا علينا الإشارة بوضوح إلى أن الزكاة هى الركيزة الأساسية لمثل هذا النوع من العطاءات.

إلا أن المشكل الأساسى فى قصة العطاءات، كما قدمتها الباحثة الدكتورة مروة الدالى فى كتابها القيم «العطاء الاجتماعى فى مصر» هو كيفية توجيه هذه الإمكانيات نحو التنمية، حيث تكون الفائدة عظيمة على المجتمع بأسره، والدراسة بها كافة تفاصيل العمل الاجتماعى فى مصر، والدراسة فى حد ذاتها عمل قيم يجب أن تلتفت إليه الدولة لتعظيم فائدة هذا العمل، الذى يتطلب المزيد من التشريعات التى تساعده فى التحول للعمل التنموى، خاصة فى ظل التراجع الكبير لدور الدولة نظرا لضعف إمكاناتها، ولقلة خبرات العاملين بها، إلى جانب أنها لا تحظى بالثقة التى تحظى بها مؤسسات العمل الخيرى فى مصر، ويكفى أن أشير إلى أن نسبة المصريين المساهمين فى العطاء الاجتماعى بلغت وفق آخر الإحصاءات 62.1٪ من بينهم 58.25٪ يقدمون عطاءات مادية، و٢٠,٨ يقدمون عطاءات عينية و٦,٤ يقدمون عطاءات من خلال مجهوداتهم الشخصية، وهى نسب مشرفة لهذا الشعب تعلى من قيمة وأهمية ما نسميه اقتصاد الرحمة فى حياتنا، وما يتبقى حقيقة أن يساهم هذا النوع من الاقتصاد فى عمليات التنمية، ليتحول العطاء من إحسان إلى حق للفقراء.

أما ما أزعجنى فى هذه الدراسة، توصلها إلى أن الإعلام يقوم بدور سلبى (إلى جانب التعليم) فى خلط المفاهيم وتعميق الفجوة بين الجهود الراقية لتطوير العمل المجتمعى وبين استجابة الأفراد والمؤسسات، وضرب الدراسة مثلا بالاستخدام المكثف لمفهوم «المجتمع المدنى» بديلا عن الجمعيات الأهلية أو النشاط الأهلى على أساس مواكبة العصر، وهو الأمر الذى لم يستسغه المجتمع الذى ارتاح لفكرة «الأهلى» التى ترتبط بمفهوم «الأهل» بما يوحيه من ترابط واعتماد على القيم والرغبة فى العطاء والبعد عن السلطة، فى حين ان تعبير المجتمع المدنى بغرابة تركيبته اللغوية وإيحاءاته التى تلصقه فى المفهوم الشعبى بالمدنية التى تدفع به بعيدا عن احتمالات تنمية المشاركة والتلاحم بالأهل التى يقدمها تعبير «العمل الأهلى»، وأعتقد أن الإعلام مطالب بالعمل الجدى للمساهمة فى تنمية هذا النوع من الاقتصاد، وتوجيهه نحو عمليات التنمية بوعى شديد، حتى لا يعرقل ما نجح فيه البعض منا، بقيادة المساهمة فى رعاية فقرائنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.