عمرو خفاجى يكتب | التجديد للمشاركة فى التحديث

عمرو خفاجى يكتب |  التجديد للمشاركة فى التحديث

عمرو-خفاجى

لأننا مشغولون بالانتخابات الرئاسية، فنحن بالضرورة مشغولون بالمستقبل، أو على الأقل هذا ما يجب أن نفعله، فليس معنى أن يكون لنا رئيس جديد، سوى تعهد واضح منه، أنه سيعمل على بناء مستقبل أفضل لنا، وهذا فى الغالب ما تطمح له الشعوب التى تعرف الانتخابات منذ زمن، حتى الانحيازات الأيديولوجية فليست من باب الترف أو الأهواء ولكن لأن قطاعا من الجماهير يؤمن بأن المستقبل الأفضل سيأتى عبر الأيديولوجية التى ينحازون لها، بما فى ذلك جميع أفكار الإسلام السياسى، بغض النظر عن طريقة وأسلوب ونهج القيادات، فالقواعد تؤمن بأن المستقبل سيكون أفضل عبر سيادة الإسلام السياسى، وأنها ستطمئن أكثر إذا كان هو نظام الحكم، واختلاف القناعات بين فكرة وأخرى مسألة مفهومة، لكن فى ذات الوقت، لا يمكن تصور مستقبل أفضل لا يستهدف حداثة الدولة واستنادها على العلم والتكنولوجيا، وربما كان ذلك من أهم الانتقادات الموجهة لأفكار الإسلام السياسى باعتبار الحداثة والعصرنة عدوها الواضح، وتصل بعض الأفكار المتطرفة داخل هذا التيار إلى فكرة تكفير العلم ذاته، أو حتى التعليم، مثل حركة «بوكو حرام فى نيجيريا» والتى تعنى (التعليم حرام) وفقا لترجمة المصطلح من اللغة المحلية الدارجة للمنطقة النيجيرية التى تتمركز فيها الحركة، كما أن رفض العلم والحداثة، موجود وواضح عند الكثير من تيارات الإسلام السياسى، ومن المهم أن نذكر أن أوروبا مرت كثيرا وطويلا بمثل هذه المراحل، حيث كانت قيادات عصور سابقة تستهدف العلماء وكل من يدعو لمناهج تفكير علمية، وربما كانت تلك المعركة، هى المعركة التى أفضت لنهضة أوروبا الحديثة.

فى واقعنا الحالى، الأمور أفضل كثيرا من أوروبا وتاريخها فى هذا المجال، والانحياز للعلم والتكنولوجيا، ممكن بسهولة، حتى عند تيارات الإسلام السياسى، وإن كانت الأمور تتطلب بعض المراجعات الفكرية والنقاشات الواسعة بين عقول باردة وهادئة تنتمى لهذه الحركات، بعيدا عن الحركيين الذين يتعاملون عادة مع عناوين الفكرة، وما يعتقدون أنه جوهرها، وبالتالى ينخرطون فى عمليات عنف بسهولة، وفى الغالب، لم يستطع الحركيون فى جميع التنظيمات (من أقصى اليمين لأقصى اليسار) القيام بمراجعات فكرية، أو تطوير وتحديث الأفكار التى ينتمون إليها، لذا كان العبء دائما يقع على من نطلق عليهم منظرين أو فلاسفة الحركات العقائدية، وربما ذلك تحديدا هو ما يغيب الآن عن حركات الإسلام السياسى، بجميع تياراته، وعلى ما يبدو أنها مصادفة تاريخية سيئة، أن الفرصة جاءت لهذه التيارات وهم فى لحظة، تخلو جماعاتهم من أصحاب العقول المفكرة، والقيادات الرشيدة، لذا ضاعت الفرصة للتعبير الجدى عن أفكارهم وما يؤمنون به، عبر هيمنة للحركيين الذى ارتكبوا كل الأخطاء التى ترقى لمستوى الجرائم، ووضعت جل أفكارهم، مجددا على محك المصداقية الدينية، حتى قبل المصداقية السياسية، وهذا سيعطلهم طويلا قبل العودة للساحة السياسية من جديد واستعادة التمركز فى مجتمعاتهم كما كانوا من قبل، لأنهم بالفعل يمتلكون أفكارا تتماس، بشكل أو بآخر، مع هوية شعوب هذه المنطقة، والتى تبدو فى حيرة حقيقية مع الأفكار الغربية منذ مطلع القرن الماضى.

أعتقد أن فى اللحظة نفسها، التى ندعو فيها الرئيس القادم إلينا قريبا، بأخذ العلم وأسبابه فى بناء مستقبلنا، وفى نقلنا من عصر بليد، إلى عصر جديد متنور مضاء باختراعات العصر وعلومه، يجب أن ندعو أيضا كل أصحاب الأفكار العنيفة التى ترفض الخضوع للمستقبل، ولا تنحاز للعلم، وتقاوم الحداثة وتعترض على التحديث، أن تراجع أفكارها بما يجعلها تقف على أعتاب العصر القادم، فتجديد الفكر لديهم هو السبيل الوحيد للرشادة فى تصحيح المسار، بدلا من الطرق المظلمة التى يسيرون فيها ويحطمون كل ما كان صالحا للنقاش، وقابلا للتعاطف قبل ثلاث سنوات فقط.. وصار الآن هدفا للنفى من الوجود والمحو من التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.