عمرو خفاجى يكتب | التفتيش عن المستقبل

عمرو خفاجى يكتب | التفتيش عن المستقبل

عمرو-خفاجى

لا تتوقف الاجتهادات فى محاولة قراءة وتفسير ما يدلى به المرشحان الرئاسيان، لوسائل الإعلام، أو الخطوات التى تقدم عليها حملاتهما الانتخابية، وكلها اجتهادات تقرأ النصوص المباشرة ولا تحاول الذهاب إلى عمقها أو ما يقف وراء هذه النصوص، لذا تبدو صورة المعركة الانتخابية حتى هذه اللحظة تقليدية وباهتة، تقدم حمدين صباحى كما نعرفه منذ أربعين عاما، وتقدم عبدالفتاح السيسى كما شاهدناه منذ ثلاث سنوات، حمدين يحمل معه ذات الخطاب السياسى الواضح المنحاز للبسطاء العاشق لهم على طريقة مرجعيته لجمال عبدالناصر، والسيسى القائد العسكرى الصارم الذى يحاول التواصل مع القوى المدنية بمشروع غير واضح الملامح، وإن كان يحمل عناوين حل مشاكل ورغبات الناخبين، وفى مقدمتها الأمن والاستقرار، يحدث هذا بوتيرة ثابتة من دون أى تفكير فى تعديل تكنيك الدعاية، أو محاولة إعادة التمركز، وكأن كل مرشح قرر الثبات على ما يعرفه وقرر الرهان على جمهوره المنحاز إليه سلفا، وحتى الآن لم نر أى مفاجاة أو صدمات من كلا المرشحين، وكأنهما يرغبان فى صناعة الهدوء أكثر من الرغبة فى إشاعة الإثارة ومحاولة خطف الناخبين كما يحدث فى بقية بلاد الله التى تعرف الانتخابات.

ربما كان ثبات المرشحين على موقفيهما عملا أخلاقيا يتسق مع خلفياتهما، لكنه بالتأكيد يعكس عدم التفاعل مع الحالة المصرية الطموحة بأكثر مما لدى المرشحين، حمدين يتحدث كثيرا عن الفقر والفقراء والعدالة الاجتماعية، بينما يفهم السيسى أن الأمن والاستقرار هو الهدف من هذه الانتخابات، أو مكافأة فوزه بها، وبين أحلام حمدين للفقراء وتقوقع السيسى فى مربع الأمن والاستقرار، تاهت الكثير من أحلام المصريين، خاصة الشباب الذى يبحث عن ثورته المختفية فى المشهد العام، كما تاهت أحلام الطبقة المتوسطة فى تحسن وضعها عبر الثورة التى عولوا عليها كثيرا، لكن الخذلان أصاب الجميع عبر ارتباك متعمد وانحراف بوعى كامل عن أهداف الثورة من كل القوى التى شاركت فى صياغة الأحداث بعد ١١ فبراير ٢٠١١، أو فى أحسن الأحوال ضاعت أهداف الثورة وأحلام الجماهير عبر الصراع المنحط على السلطة من قوى لم تكن شريفة على الإطلاق (من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار) وهى تستعمل الثورة لأهداف شخصية شديدة الضيق لا تستهدف أبدا مصالح أصحاب الثورة الحقيقيين.

أمام حمدين والسيسى فرصة أخيرة هذا الأسبوع، ليخبرانا عما يملكناه من مشروعات واضحة للمستقبل، لا أفكار قديمة أو حلول تقليدية أو حتى علاجات غرف العناية الفائقة، صحيح لدينا أزمات تحتاج لحلول فائقة السرعة، لكن المطلوب أصلا من الرئيس القادم رؤيته للعبور لمستقبل حلمنا به فى ليالى يناير وفبراير ٢٠١١، ولم يتنازل أحد عن هذه الأحلام ولو للحظة واحدة، لم نكن نحلم بتحسين وضع الفقراء لأننا كنا نرى ذلك من بديهيات الحياة ومن أصول العدل، ولم نكن نبحث عن الاستقرار لأننا ثرنا من أجل التغيير، أما أن نعود جميعا للمربع رقم واحد ونتحدث عما كنا نتحدث عنه قبل ٢٥ يناير، أعتقد أن هذا يضع المسار السياسى فى مأزق سيطبق على رقاب من يرغبون فى صنعه.. لأن المطلوب اتساع الأفق ورحابة الحياة، لا الانصياع للواقع الردىء أو الأحلام المزيفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.