عمرو خفاجى يكتب | الدعم أخطر من ذلك

عمرو خفاجى يكتب | الدعم أخطر من ذلك

عمرو-خفاجى

لا أعرف حتى هذه اللحظة، إلى ماذا ستنتهى قصة إعادة هيكلة الدعم الذى تتحدث عنه حكومة المهندس إبراهيم محلب، وسط أصوات تنادى بضرورة التحرك العاجل لمواجهة الأزمات الحادة التى يعانى منها الاقتصاد، وبين فريق يرى التريث لحين وجود رئيس منتخب وحكومة منتخبة، على اعتبار أن إعادة هيكلة الدعم ليس من شئون تسيير الأعمال، وإنما من صلب تغيير السياسات العامة الحاكمة للبلاد، وللصوتين وجاهته ومنطقيته، فالصوت الأول ينطلق من الإحساس بالخطر من تفاقم المشكل الاقتصادى، خاصة دعم الطاقة وأن الأمور لا يمكن أن تسير بخير لو انتظرنا بعض الوقت، فقد انتظرنا كثيرا وطويلا ومنذ أكثر من ثلاث سنوات ونحن نحيل القضايا والملفات الكبرى لمرحلة أكثر استقرارا، وهى مرحلة لم تأت حتى الآن، ونفس المبرر يسوقه أصحاب الصوت الثانى على اعتبار أن الانتخابات على الأبواب ولا داعى لاتخاذ قرارات على هذه الدرجة من الخطورة عبر حكومة مؤقتة، على اعتبار أنه فات الكثير ولم يتبق إلا القليل.

أول ما يلفت النظر فى هذا النقاش، أنها المرة الأولى التى لا يُخْتَلَفُ فيها على ضرورة إعادة النظر فى الدعم، بل توقيته، ومن يتخذه، فجميع الأصوات التى تنادى بالتأجيل، تنطلق من أسباب سياسية ومن لياقة ديمقراطية، ولم تناقش كنه القرار ذاته، ربما البعض منهم لديه تفضيلات فى بعض التفصيلات المرتبطة بالقضية، وفى تقديرى، أن قصة الدعم على وجه التحديد لا يمكن التعامل معها ببساطة أى إجراء اقتصادى آخر، فبلد ترتفع فيه نسب الفقر الرسمية لما فوق ربع عدد السكان، يبدو الدعم أحد أهم الحلول لمساعدة هؤلاء الفقراء على الاستمرار فى الحياة، خصوصا أن هذه المنظومة ليست وليدة اليوم، وإنما تحافظ بها الدولة على توازن الحياة بين الأغنياء والفقراء، لما يزيد على ستين عاما (نظام الدعم موجود قبل ثورة يوليو ١٩٥٢)، وبالتالى إذا أرادت أى حكومة تفكيك هذا النظام، أو تعديله، فإن الأمر يستحق الكثير من البحث والدراسة قبل الإقدام على مثل هذه الخطوة التى تؤمن سبل الحد الأدنى لمعيشة عدد هائل من المواطنين.

بالطبع لا يخفى على أحد، أن تعاظم قيم دعم الطاقة على وجه الخصوص، هو ما يدفع الدولة للتفكير فى التنازل عنه، خصوصا أن الحكومات المتعاقبة تعلن صراحة أن الدعم لا يصل لمستحقيه، بل إن قطاعا لا يستهان به من خبراء الاقتصاد، يرون أن ٢٠٪ فقط من دعم الطاقة (على سبيل المثال) هو الذى يذهب إلى مستحقيه، والباقى لمستغلين، ولصوص، أو غير مستحقين، والأكيد أن هذا لا يليق فيه إهدار لموارد الدولة وتضييق على صانع القرار فى اتخاذ ما يلزم من قرارات أخرى لتحفيز وتنشيط الاقتصاد، لأن دعم الطاقة يكون قد التهم موارد الدولة ولم يبق منها شىء، وهو كلام به الكثير من الحقائق، وبه أيضا أساطير وخرافات، لكن فى كل الأحوال، به رعونة غير مسبوقة من الدولة نفسها، فعدم ذهاب الدعم لمستحقيه، مسئوليتها ودورها، وعليها أن تحاسب نفسها على ذلك قبل أن تحاسبنا، وعليها أيضا أن تعيد الدعم لمستحقيه، وتحاكم من يسرقونه ويستغلونه، لا أن تحملنا كامل المشكلة.

هذا لا يعنى أبدا، عدم التفكير فى مراجعة نظام الدعم، بل على العكس تماما، فهذا واجب واضع السياسات الاقتصادية، فقط المطلوب الحفاظ على الحقوق الأساسية لفقراء هذا الوطن، فإذا كانت قضية تحفيز الاقتصاد قضية مهمة، فإن قضية تحقيق الحد الأدنى لسبل العيش للفقراء قضية تفوقها أهمية، ولا يمكن لمجتمع يرغب فى التطور والتنمية، دون أن يعالج مشكلات القطاع الأكبر من السكان، وهذه من بداهات العدالة الاجتماعية التى تمثل حجر الأساس فى بناء أى حلول ممكنة لأى مشروعات تنمية، ومن يعتقد غير ذلك فهو مخطئ، فالعدالة الاجتماعية ليست إحسانا من أحد، بل ضرورة لاستقامة الحياة واستقرارها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.