عمرو خفاجى يكتب | الدولة الغائبة

عمرو خفاجى يكتب | الدولة الغائبة

عمرو-خفاجى

أكثر ما أزعجنى فى قرار تأجيل الدراسة، النقاشات التى دارت حوله مع بعض أولياء الأمور، فقد توصلوا بكل بساطة، منذ عدة سنوات إلى تعليم أولادهم بعيدا عن المدرسة، فى مراكز خاصة منتشرة فى أربعة أنحاء الجمهورية معروفة للكافة باسم مراكز الدروس الخصوصية، والتى أصبحت هى الأصل، وبعض هذه المراكز تعمل فى ذات مواعيد الدراسة بالمدارس، وبكل بسهولة لا يذهب الأبناء إلى المدرسة إلا من باب التسلية أو مشاهدة الزملاء الذين لا يشاركونهم نفس مراكز الدروس والتى حملت اسما شعبيا مأخوذا من اللغة الإنحليزية (السناتر) وهى جمع (سنتر) وتعنى بالإنجليزية مركز (center)، وبالتالى حينما تتأجل الدراسة، فهذا لا يعطل سير العملية التعليمية من وجهة نظر أولياء الأمور، بل يرى البعض فى ذلك راحة للأبناء ومنحهم مزيدا من الوقت فى تحصيل العلم والمذاكرة، وهو إعلان خالص بغياب الدولة التام عن العملية التعليمية، ومن ثم فقد أبناء هذه «السناتر» جميع القيم التربوية التى كانت المدارس تحرص على غرسها فى نفوس الطلاب فى مراحل التعليم المبكرة، ومن أبسط الأضرار أن هذا الجيل لا يقوم بتحية العلم كل صباح ولا يهتف تحيا جمهورية مصر العربية، كما تربى آباؤهم وأمهاتهم.

وبالتوازى مع قصة استمرار إجازة المدارس، كان إضراب الأطباء، وأثناء نقاش علنى مع أحد الأطباء المسئولين عن الإضراب، وعن كيفية عدم تأثير هذا الإضراب على حياة المرضى، أخذ الرجل يشرح جميع الإجراءات والتدابير التى اتخذتها اللجنة لاستمرار العمل فى أقسام الطوارئ والغسيل الكلوى وجميع الأمراض التى لا يمكن أن يتم تأحيل علاجها، وهى بالمناسبة تدابير وإجراءات متفق عليها دوليا، إلا أن هذا الطبيب فاجأنى وقال صراحة، إنه لا خوف من الإضراب لأن المرضى أصلا لا يذهبون لمستشفيات أو عيادات وزارة الصحة، فهناك المستوصفات الخيرية والخاصة والمنتشرة فى زوايا وأركان الوطن لغير القادرين، ناهيك عن انتشار العلاج الخاص للقادرين، الرجل كان يقول ذلك بحسن نية شارحا عدم خطورة الإضراب على حياة المرضى، دون أن يقصد الإشارة إلى غياب الدولة من المنظومة الصحية، والمدهش أنه فى أثناء الحوار كانت زميلة عزيزة تعلن ضرورة أن يوافق أى رئيس جديد للبلاد على علاجه هو وأسرته فى المستشفيات الحكومية، ولو قمنا بضم الحوارين فكأننا نرغب فى عقاب أى رئيس قادم وتعذيبه بالعلاج العام قبل الوصول إلى قصر الحكم، حتى إن أحد الأصدقاء علق على ذلك بقوله، إنه اذا صدر قانون الانتخابات الرئاسية متضمنا هذا الشرط، فلن نجد مرشحا واحدا للرئاسة.

خلاصة القول: إذا غابت الدولة فعلا عن تعليم المواطن وعن رعايته الصحية فماذا بقى لها من سيادة عليه، وما هو الداعى لحضورها فى بقية الأمور، وهل حقا هناك دولة ربع سكانها من الفقراء لا تقوم بتعليمهم أو علاجهم، وأحيانا تقوم بطردهم من مساكنهم، هل حقا هناك من يلتفت لهذا الأمر الجلل، هل ذلك مطروح فعلا فى برامج المرشحين للرئاسة، أم أنه سيبقى من الأمور الشكلية مثلما كانت فى انتخابات ٢٠١٣، وحينما وصل المرشح للمنصب، لم يحرك ساكنا فى الأمرين، لا ثار على غياب الدولة فى العملية التعليمية، ولا اهتم بشئون علاج المواطنين، بل العكس هو ما حدث، اهتمت حكومته بالتعليم الخاص، وانخفضت ميزانية الصحة، وأعتقد أن هذه المرة لن يمر الأمر، فإذا لم يكن واضحا للرأى العام خطط الرئيس القادم بشأن التعليم والعلاج، سنكون أمام أزمة حقيقية لا يمكن مواجهتها، ولا كبح جماحها، ويمكن أن تسير بنا إلى المجهول الذى ندعو الله صباح مساء، ألا يأتى وألا نعيش أيامه، وللأسف فإن هذا المجهول معلوم لدينا بكل تفاصيله وصوره ومن رعبنا من هذه التفاصيل والصور نسميها «المجهول» لحين إشعار آخر.

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.