عمرو خفاجى يكتب | الطلب على القانون

عمرو خفاجى يكتب | الطلب على القانون

عمرو-خفاجى

من يرصد غالبية النقاشات العامة حول معظم القضايا والملفات التى تتصدر واجهة الأحداث يكتشف بسهولة حاجة مصر الملحة لسيادة القانون وتطبيقه، ويتجه غالبية المعنيين بالأمر والخبراء، إلى أن المطلوب فقط تطبيق القوانين القائمة والمعمول بها فعلا، وأن الأمر ليس فى حاجة ماسة إلى تشريعات جديدة، بالرغم من أن هناك مطالب دائمة بإصدار قوانين لمواجهة ما نشهده من استفحال بعض الجرائم، دون أن يدرى هؤلاء أن منظومة التشريعات المصرية بها ما يكفى لمواجهة ما نتعرض له من ظواهر طرأت أو اشتدت مؤخرا، لكن يبقى اللافت للتظر أن هناك أصواتا عديدة تطالب بحل هذه الأزمات «بالقانون» وأن هذا هو الحل المثالى من وجهة نظرهم.

المراقب للمجال العام، سيلحظ حدة النقاشات حول حالات الاغتصاب التى تصاعدت مؤخرا، وسيلحظ أيضا حجم المطالبة بتطبيق القانون لوأد الظاهرة ولفرض الإحساس بخطورة الجريمة وشناعتها، بينما تذهب قطاعات واسعة من المجتمع المدنى، وفى مقدمتها المجلس القومى للمرأة، إلى ضرورة إصدار قانون جديد لمعالجة الأمر، على أن يبدأ التجريم، والعقوبات المشددة، من حالات التحرش، والتى صارت ظاهرة بغيضة معتادة للأسف الشديد، نفس الأمر سنلحظه حينما نتحدث عن حوادث الطرق وضحاياها الذين أصبحوا بالآلاف، سنجد أيضا النقاشات تتراوح بين ضرورة تطبيق القانون الموجود، أو تغليظ العقوبات عبر سن قوانين جديدة، أو تعديلها فى القوانين الموجودة بالفعل. ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة لظواهر أخرى مثل التعدى على أراضى الدولة أو البناء بدون ترخيص، الكل يتجه للحل بالقانون، وإن كان الميل الأكبر دوما لضرورة إيجاد تشريعات لمكافحة مثل هذه الظواهر.

إذن، بات من الواضح زيادة الطلب على القانون فى جميع الأمور، وهو أمر يعكس وعيا لا بأس به بالمرة تجاه الحلول العصرية المتحضرة، ويكشف عن انحياز جماعى لسيادة القانون باعتبارها الحكم الفاصل بين الجميع، وهى الحماية اللازمة لمواجهة جميع الأخطار والأمراض المجتمعية، لكن فى نفس الوقت فإن زيادة الطلب على القانون تعكس أيضا الإحساس بغيابه واختفائه عند الكثير من الفئات، وفى أحسن الأحوال عدم تفعيله إن وجد، وفى الحالتين، فإن الأمر يتطلب تدخل الأجهزة التنفيذية للدولة، لفرض سيادة القانون وتفعيله، لأن غيابه هو علامة ضعف للدولة، فالدولة فى نهاية المطاف، هى القانون والسيادة، فإذا اختفى أحدهما اهتز الآخر، وبدأت الدولة فى الاختفاء من شاشات رادارات المواطنين، وبالتالى تصبح سيادتها هشة وغير ملزمة للمواطن، الذى بات يطلب تفعيل القوانين، بمثل ما يطلب توفير حاجاته التى تعينه على استمراره فى الحياة، فقد وصلنا للحظة تساوت فيها أهمية الأمن والقانون، مع ضرورة توفر الطعام والشراب.

ولا يمكن، أن نغفل، ونحن نتحدث عن سيادة القانون، أن نشير إلى أن سيادة القانون لن تتحقق إلا بسيادته فعلا على الجميع، من دون استثناءات، وربما هذا ما يدفع البعض إلى طلب تشريعات وقوانين جديدة لإحساسهم بعدم تطبيق القانون على من ينبغى تطبيقه عليهم، ويبدو أيضا أنهم حالمون بأن القوانين الجديدة ستكون سيادية على الجميع، باعتبار أن ما كان سابقا مازال عاجزا عن فرضه نفسه على من نطلق عليهم الكبار، وفى كل الأحوال، لا ينبغى أن يتراخى قادة العمل العام، فى الإمساك بهذه الفرصة التاريخية التى يطالب فيها الرأى العام بتطبيق القوانين وتفعيلها وتغليظ عقوبات مخالفيها.. فمن المحتمل أن يكون ذلك بداية الطريق نحو ما يحلم به المصريون.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.