عمرو خفاجى يكتب| «العلاج على نفقة الأسمنت»

عمرو-خفاجى

التعبير للدكتورة ليلى إسكندر، وزيرة الدولة لشئون البيئة، قالته وهى مبتسمة متحدية كافة الاقتراحات الخاصة باستخدام طاقة غير نظيفة فى الصناعات كثيفة الطاقة مثل الأسمنت، وقالت إن هناك نوعا واحدا فقط من العلاج اسمه «العلاج على نفقة الدولة»، وأشارت بوضوح إلى أن استخدام وقود مثل الفحم منخفض التكاليف الاقتصادية المباشرة، يكلف الدولة ثلاثة أضعافه تكاليف اقتصادية غير مباشرة، واقترح أحد خبراء وزارتها، تحميل التكاليف غير المباشرة لمستخدمى مثل هذه النوعية من الوقود، وإن كانت فى كل الأحوال تفضل استخدام طاقة نظيفة، لان هذا هو ما يليق بمصر وبثورتها، دون أن تخفى رأسها فى الرمال مؤكدة على وجود أزمة حادة فى الطاقة، ولكن فى ذات الوقت، ليس الحل فى استخدام طاقة ملوثة للبيئة، وأنه بالتأكيد هناك حلول أفضل لمواجهة هذه الأزمة غير الإصرار على تلويث البيئة بهذا الاستسهال، من أجل مصالح فئات محدودة فى المجتمع، مثل كافة أنواع الطاقة المتجددة (الشمس، الرياح،على سبيل المثال).

المفاجأة كانت بالنسبة لى، أننى عندما سألت الدكتورة ليلى عن كيفية التعامل البيئى مع الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، خاصة أن مصر قاب قوسين أو أدنى من بدء مشروعها النووى، حيث سيتم طرح المناقصة العالمية لانشاء محطات نووية خلال شهر يناير المقبل، قالت إنها لا تعلم عن الأمر شيئا، وانه لا يوجد لديها تفاصيل كما أن أحدا من زملائها فى الحكومة والمعنيين بالأمر، لم يخبرها بما يحدث فى هذا المجال، وأشارت بوضوح إلى أن المخلفات النووية مشكلة كبيرة، خاصة فى عمليات دفنها، وان هناك تجارة سرية ضخمة فى العالم لدفن هذه المخلفات، وقالت إن إفريقيا هى مرمى هذا الهدف، وأن مصر بذلك تضيف أعباء بيئية غير الأعباء الموجودة بالفعل، التى لم ننجح فى التخلص منها حتى الآن.

أطرف ما قالته الدكتورة ليلى إسكندر، إن بعض ملوثات البيئة تسبب تخلفا عقليا، وعلقت على ذلك بقولها «وإحنا أصلا مش ناقصين تخلف»، والحقيقة أن التخلف الأساسى، هو استسلامنا لتلويث بيئتنا دون أى تحرك حقيقى من الدولة لمواجهة ذلك، طبعا من الواضح أن السيدة وزيرة البيئة ومن معها يبذلون جهدا حقيقيا لتدارك الأمر، لكن على ما يبدو أن أزمة الطاقة مستحكمة بدرجة أكبر من جهودهم، لكنهم يحاولون، وأعتقد أن هذه المعركة فى حد ذاتها، واحدة من أهم معارك الحداثة فى مواجهة التخلف، فالاهتمام بالبيئة والالتفات الإيجابى لقضاياها جزء من تقدم مصر وتعبير عن حداثتها، واحترامها لمواطنيها، وأيضا احترام للكوكب الذى نعيش فيه، واحترام الكوكب، والمشاركة فى الحفاظ عليه يعنى أننا أصبحنا فعلا من هذا العالم المتقدم، وفى تصورى أيضا أن الانحياز للبيئة النظيفة يحمل معانى أكبر بكثير من فكرة قضية بيئية، فهو يعنى صراحة أن هناك من فى الدولة من يعلم جيدا أن الشعب هو السيد وأن الأمر لا يتوقف فقط على تحقيق رغباته أو الانصياع لإرادته، بل الحفاظ عليه وعلى حقوقه الصحية بمبادرة من الذى فى يده الأمر.. فالبيئة أصبحت المقياس الأكثر دقة فى تقدير درجات احترام الحكومات لشعوبها.

المصدر جريدة الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.