عمرو خفاجى يكتب | العودة لنقابية النقابات

خفاجى يكتب | العودة لنقابية النقابات

عمرو-خفاجى

لا توجد نقابة عانت فى مصر مثلما عانت نقابة المهندسين، ولا توجد فئة تعذبت مثلما تعذب المهندسين، فطوال ما يقرب من ١٦ عاما كان المهندس أقصى ما يستطيع الحصول عليه من نقابته هو كارنيه العضوية، وما دون ذلك لم يحدث شىء، فقد تعرضت النقابة بسبب تركيبتها السياسية فى زمن مبارك إلى فرض الحراسة، وبسبب تعنت بعض التيارات داخلها استمرت الحراسة وفشلت كل الجهود لإنهائها، بما فى ذلك جهود رجال كانوا قريبين من الدولة مثل المهندس حسب الله الكفراوى، وحتى بعد رفع الحراسة عنها بعد الثورة، فشلت التيارات المهيمنة عليها، والتى استطاعت الفوز بإدارتها، فى العودة بها نقابة لكل المهندسين، لذا كانت الانتخابات الأخيرة التى عقدت قبل أيام هى الأمل لكل مهندسى مصر، لعل وعسى.

ما حدث للمهندسين، كان قاسيا وصعبا، فيكفى أن نشير إلى أن آخر مشروع إسكانى لشبابهم، كان فى مطلع الثمانينيات، أى منذ أكثر من ثلاثين عاما، وبالرغم من أن المشروع القائم حتى الآن فى منطقة مدينة نصر، مازال يحمل اسم «إسكان شباب المهندسين» إلا أن شاغليه صاروا بالطبع من شيوخ المهنة بحكم السن، أما الأجيال التالية فلم تعرف سوى العراك السياسى والحراسة، وتكبيل أصول نقابتهم (مثل غلق مسرح رمسيس) أو تعثر بعضها (توقف بعض المصانع عن العمل مثل مصنع المكرونة الشهير) أو إفلاس البعض الآخر ولعل أشهرها «بنك المهندس» الذى تم بيعه للبنك الأهلى المصرى بجنيه واحد فقط إنقاذا للنقابة، ناهيك عن أن ميزانية سنوات الحراسة الستة عشر، لم يتم مراجعتها حتى هذه اللحظة، وفى ظل مثل هذه الأوضاع يكون من العبث أن نتحدث عن النقابة باعتبارها «بيت الهندسة فى مصر» فلا حفاظ على مهنة فى ظل مثل هذه الأوضاع المتردية.

المهندسون، اختاروا رجال المرحلة المقبلة، على رأسهم النقيب طارق النبراوى، والقائمة الوطنية الموحدة، والتى كانت تعلن صراحة أنها نقابة للمهندسين، وأنها لن تشتغل بالسياسة، وستهتم بالشأن النقابى، وهو ما حرص على تأكيده النقيب الجديد فى أكثر من موضع، فهو يرى صراحة أن إصلاح النقابة يبدأ من انشغالها بالعمل النقابى وتحقيق صالح المهندسين، وحينما سألته عن وضع الإخوان، قال إنه لا يعرف سوى المهندسين، وأن أى مهندس يواجه أزمة قضائية، فالنقابة ستدعمه ماليا وقانونيا، أيا كان توجهه، فدعم ومساندة المهندسين ستكون مهمة النقابة الأولى، أما السياسة فهى حق للجميع، لكن خارج أسوار النقابة التى هزمت كثيرا وطويلا بسببها.

وإذا كنا ننحاز لفكرة عودة النقابات لممارسة مهامها الأصلية (نقابية النقابة) للدفاع عن حقوق أعضائها وللحفاظ على المهنة، فإن ذلك لن يتحقق إلا بانفتاح كامل لممارسة العمل السياسى داخل الأحزاب، وتمكين كل القوى السياسية من ممارسة نشاطاتهم من دون مضايقات، فالنقابات لم تلجأ للسياسة حبا فيها أو بحثا عن استعمالها إلا بعد أن ضيقت الأنظمة السابقة على الجميع وحرمتهم من ممارسة ومباشرة حقوقهم السياسية، فحتى النقيب الجديد الذى يبحث عن استقلالية نقابته بعيدا عن السياسة كان من أنشط أعضائها ممارسة للسياسة بداخلها فى زمن النظام السابق، فإذا استمرت الممارسات السابقة فبالتأكيد ستعود النقابات لسابق عهدها فى تقدم الجميع لمناهضة النظام الذى يضيق على الشعب.. فالمسألة ليست شأنا نقابيا بحتا.. بل سياسيا مطلقا، وفتشوا فى الأزمنة الغابرة حتى تعرفوا لماذا تخلت النقابات عن نقابيتها قبل أن تتوقعوا مستقبلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.