عمرو خفاجى يكتب | «الموضوع كده بالضبط»

عمرو خفاجى يكتب | «الموضوع كده بالضبط»

عمرو-خفاجى

الإشارة كانت واضحة وبليغة من المستشار عدلى منصور رئيس المحكمة الدستورية العليا، والرئيس السابق للجمهورية، حينما أهدى الرئيس الجديد السيد عبدالفتاح السيسى نسخة من الدستور عقب إلقائه لكلمته فى الحفل الشعبى بقصر القبة، كلمات الرجل كانت بسيطة وذكية ومخلصة، والهدية كانت أكثر ذكاء وإخلاصا، هدية للهداية والاسترشاد فى الحكم الذى صارت أحماله على كتف الرئيس الجديد، الدستور ولا شىء غيره هو من يحكم ويفصل بين الناس، وعلى الرئيس الجديد أن يحكم به ويحترمه، فهذا هو اتفاقه مع الشعب، ولا يمكن تجاهله أو تجاوزه، ولابد من تذكره فى كل خطوة ومع أى قرار، فاحترام الدستور هو احترام للشعب وللمنصب، وأرجو أن يضع الرئيس السيسى هدية منصور أمامه دوما لا تغادره حتى يغادر منصبه، فعدم احترام الدستور وتجاهله هو الذى صنع الاستبداد وخرب البلاد، طوال عهود كان يمكن لنا أن نكون أفضل كثيرا، والهدية بصراحة تتوافق مع رجل مثل المستشار منصور الذى لا يعرف سوى الدستور والقانون، فكانت هذه وصيته الأخيرة للشعب، ووصايته الأولى لمن حمل الأمانة من بعده.

أيضا كانت كلمة المحكمة الدستورية، التى ألقاها المستشار ماهر سامى، متحدثها الرسمى، فى ذات السباق وتليق بأعلى هيئة قضائية فى البلاد، فقد أشار الرجل لمدونة عظيمة لواحد من قامات المحكمة الدستورية، وأحد كبار فقهائها، المستشار عوض المر، مدونة يؤكد فيها أن الثورات عليها فى النهاية أن تعود للدستور وتسترشد به، ويكون لها النور الهادى فى لحظات الظلام، رسالة المحكمة الدستورية واضحة فى الانحياز للقانون الذى ترغب حقا فى سيادته، وتراه مقوما حقيقيا من مقومات نهضة البلاد، فكانت رسالتها للرئيس الجديد قبل أن يؤدى اليمين الدستورية أمامها، ليعرف على ما سيقسم عليه بعد لحظات.

من يسترجع المشهد السياسى الكلى، منذ ثورة يناير، يكتشف أن العبث بالدستور كان مفجر جل الأزمات ومقسم الجبهات، كما كان وراء كل خيبة حلت بنا، فحينما تم الاستفتاء على تعديلات دستور ١٩٧١، ووافق عليه الشعب، تم العبث بإرادة الشعب، وإلغاء ما وافقوا عليه، واخترعوا إعلانا دستوريا لم يسألوا الشعب عنه وفرضوه عنوة فى غرف مظلمة، وحينما تواطأت القوى السياسية على تفصيل قانون لانتخابات مجلس الشعب مخالف للدستور، وهى تعلم أنه مخالف للدستور، تم حل المجلس وتسبب فى أزمة سباسية، رغم أن الجميع يعلم أن هذا هو المصير المحتوم، ومثلا قام مجلس شعب الإخوان بإصدار قانون للعزل السياسى وهو يعلم أيضا عواره الدستورى الكامل، ليتسبب فى أزمة كادت تعصف بانتخابات رئاسة ٢٠١٢، ورغم أنها مرت، لكن حتى هذه اللحظة مازال الاحتقان موجودا من فكرة العزل، وهناك الكثير من الأمثلة الأخرى التى كان تجاوز الدستور فيها، مدخلا كبيرا وبابا واسعا لصراعات كنا فى غنى عنها.

حينما تكون الرسالة للرئيس الجديد، القائم على السلطة التنفيذية، بدعوته لاحترام الدستور وسيادة القانون، فهذا لا يعنى سوى أننا فى انتظار العدالة بمفهومها الشامل، عدالة تساوى فيما بيننا ولا تستثنى أحدا، عدالة ينتظرها الشعب منذ الثورة ولم يجدها حتى هذه اللحظة، وحينما يكون الدستور حاضرا بكل هذه القوة فى لحظات تسليم السلطة فى البلاد، فالمعنى واضح بأن «الموضوع كده بالضبط» دستور وقانون.. لا أكثر ولا أقل.. سيادة القانون يا سيادة الرئيس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.