عمرو خفاجى يكتب | بلد مزايدات

عمرو خفاجى يكتب | بلد مزايدات

عمرو-خفاجى

   حالة غريبة تجتاح الحياة السياسية والفكرية والاعلامية، صارت تهيمن على المشهد العام فى مصر منذ أعدة أشهر، حالة من المزايدات فى أى شىء وعلى كل شىء، فقط مزايدات مجانية، دون عمليات نقد حقيقية أو تقديم مناقشات جادة لأى أمر، ولا أحد يحاول طرح حلول بديلة لما يعترض عليه، حتى وصلنا للحظة عجيبة، تكشف عن مدى الضعف العام الذى وصلت إليه كافة القوى السياسية والفكرية والاعلامية، حيث تكون المزايدة دوما هى رد الفعل الوحيد على ما تشهده البلاد من أحداث، والمؤسف أن لعبة المزايدة وصلت حتى للحكومة، التى أخذت هى الأخرى فى ممارسة اللعبة فى مواجهة من يعترض على قراراتها وتصرفاتها، لنبقى دون إنتاج لأفكار نحن فى أمس الحاجة إليها، ومن يراقب الأحداث فى مصر يشعر وكأن البلاد خلت من الحوار والنقاش والحلول، ولم يتبق لها سوى الصراخ والعويل، وأحيانا السباب، دون أن نفهم سببا لذلك، أو نجد له مبررا، وكأن الجميع يصنع يقينه الخاص فى مواجهة يقين آخر تملكه بقية الجماعات والنخب، مما دفع قطاعات واسعة من المواطنين للانصراف من هذا المشهد الذى لا ينبئ عن شىء سوى المزيد من الفراغ والخواء وتكريس للمجهول الذى بات يحاصرهم أينما ولوا وجوههم.

الإرهاب يتمدد ويتوحش وينتشر هنا وهناك، تحاول أجهزة الدولة مواجهته والسيطرة عليه، فيخرج من يزايد عليها بأن الحل الأمنى وحده لن يستطيع القضاء على الإرهاب ويزايدون على ما تفعله هذه الأجهزة، وفى نفس الوقت تخرج هذه القوى المزايدة لتخون كل من يتحدث عن حوار أو وساطة أو فسح المجال لتبادل الأفكار، ذات الأمر نشهده يتكرر فى حكاية العنف الذى تشهده الجامعات، استنكار واسع لعمليات الحرق والتخريب وتعطيل الدراسة، وحينما تتدخل الشرطة يصرخون رفضا لذلك دون أن يحركوا ساكنا فى آلية هذه المواجهات، حتى كادر الأطباء نرى السادة المزايدين فى الصباح يتضامنون مع الأطباء فى ضرورة تحسين أوضاعهم عبر مشروع الكادر، وفى المساء يعلنون رفضهم لإضراب الأطباء الذى ترك المساكين من مرضانا من دون علاج، وتستمر هذه الحالة فى التغول والتغلغل لجميع القطاعات بما فى ذلك كرة القدم، يعترضون على ممارسة جماعات الأولتراس، وحينما تقرر الدولة لعب المباريات بدون جمهور، يتحدثون عن ضعفها ويمجدون فى جماهير الكرة الحقيقية المبدعة المحرومة من متعتها بمشاهدة المباريات من الملاعب، وإذا استجابت الدولة ودخلت فى حوار مع قادة جماعات المشجعين، سارعوا بانتقاد المسئولين الذين رضخوا لضغوط فئة تمارس العنف دون أن تجد من يردعها.

فى هذا الإطار، لا يمكن أن نبرئ الإعلام مما يحدث فهو قائد هذه المزايدات وساحته الأولى وأرضه الخصبة، ولا أبالغ إذا قلت إن ما يقوله الإعلام فى الصباح ينقلب عليه فى الظهيرة، وحينما يأتى المساء يبدأ فيلم الاعتراض على ما حدث فى الصباح وما تم فى الظهيرة، يحدث ذلك بشكل آلى يومى، بجنون استهلاكى لعناوين حياتنا المصيرية والمستقبلية، والأخطر أنه يتم بدم بارد وفى ظل حماية أوهام الشجاعة والانحياز للجماهير، الجماهير التى أعتقد أنها ملت من كل شيء، وكفرت بالساسة والسياسة، وباتت، قاب قوسين أو أدنى، من البدء فى الهجرة العكسية بعيدا عن السياسة مثلما كان موقفها قبل ٢٥ يناير ٢٠١١. ولا سبيل الآن، سوى انطلاق أصوات تتحدث بجدية بدلا من المزايدات الرخيصة، فثلاث سنوات ثقيلة من الانغماس فى السياسة، جعلت المواطنين يدركون حقائق الأمور، ويتحصنون من هذه اللعبة، بل والسخرية منها، كما كتب أحد الشباب أننا تحولنا من بلد شهادات، كما كان يقول الفنان عادل إمام فى مدرسة المشاغبين، إلى بلد مزايدات.

 

المصدر:الشروق

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.