عمرو خفاجى يكتب | حكومة أبوالدهب

عمرو خفاجى يكتب | حكومة أبوالدهب

عمرو-خفاجى

فى منتصف سنوات الثمانينيات، كان هناك رجل لامع اسمه الدكتور جلال أبوالدهب، أستاذ فى علم الإحصاء وخبير به، اختاره الرئيس الأسبق حسنى مبارك ليشغل منصب وزير التموين، والرجل كان محبوبا فى محافظته (سوهاج) وكان على الدوام هو صاحب مقعدهم فى البرلمان، كان الدكتور أبو الدهب لا يتحدث كثيرا، لكنه عندما يتحدث يثير العواصف والمشكلات، ويواجه الجميع بلا خوف، المهم تعرض الرجل لهجوم عنيف ذات مرة بسبب بعض مواقفه كوزير للتموين، فما كان من الرجل، إلا أن أعلن استقالته بكل شجاعة ورجولة أبناء الصعيد، وكان ذلك واضحا ومعلوما للجميع، والواقعة شهدناها جميعا داخل أروقة مجلس الشعب، لكن صحف اليوم التالى لم تتحدث عن الأمر من قريب أو بعيد، سألت عن الرجل فى مكتبه، لم يكن موجودا به، ولم يذهب إليه، ثم تابعت صحف صباح اليوم التالى التى نشرت أخبارا تقليدية عن ممارسة الرجل لمهامه كوزير تموين، وبعدها، بعدة أشهر تغيرت الحكومة وخرج الدكتور جلال منها بهدوء، ولم يتحدث الرجل علانية عما حدث إلى أن توفاه الله.

فى ذلك الوقت شغلنى الأمر كثيرا، فذهبت للرجل، وكانت تربطنى به علاقة طيبة، حيث كان أستاذا لى فى الجامعة، سألته عن القصة قبل خروجه من الوزارة بأيام، فكشف لى تفاصيل الواقعة راجيا عدم النشر والاحتفاظ بالسر، ووفقا لتعبيره (مش ناقص وجع قلب) والحكاية ببساطة أن الرئيس عندما علم بأمر استقالته، غضب غضبا شديدا، وقال مقولته التى اشتهرت طوال سنوات حكمه، بأن الوزير يقال لا يستقيل، وأبلغه عبر وسطاء أنه سيخرج من الوزراة فى أول تشكيل (بس مش عاوزين دوشة). وهو الاتفاق الذى نفذه الدكتور أبوالدهب، رغم أنه استقال على رءوس الأشهاد وفى أروقة البرلمان وبالصوت العالى.

تذكرت القصة كلها، مع الأخبار المتراوحة حول حكومة الدكتور الببلاوى هل هى استقالت أم أقيلت، وكنت أعتقد أن زمن أن الوزير يقال ولا يستقيل قد انتهى بقيام الثورة، وتابعت عن قرب وبدقة شديدة قصة استقالة الدكتور زياد بهاء الدين من منصبه كنائب لرئيس الوزراء ووزير للتعاون الدولى، وأعلم جيدا، مثل كثيرين، أن هذا قراره وتلك رغبته، ولديه أسبابه التى أقنع بها زملاءه ورئيس حكومته، لكن استقالة حكومة الدكتور الببلاوى جاءت فى ظروف مغايرة، وبلا تمهيد، وربما تذكرنا بقصص حكومات ما قبل الثورة، وغالبا كانت الصحف ضحية هذه التغييرات، وأذكر ذات مرة «مانشيت» شهيرا لصحيفة «المساء» فى الطبعة الأولى، عنوان مقال رئيس التحرير (على لطفى باقٍ فى منصبه) والمقال يكشف عن مدى سعادة الرئيس بأداء حكومة الدكتور على لطفى، والكثير من الأسرار التى يكشفها رئيس التحرير عن قوة الحكومة وعظمتها، أما الطبعة الثانية من نفس العدد، فكان مانشيت الصحيفة باللون الأحمر (إقالة حكومة على لطفى وتكليف عاطف صدقى بتشكيل حكومة جديدة) وبجواره عنوان (على لطفى باق فى منصبه)، ولا أعرف هل فى زحمة العمل نسى الزملاء مقال رئيس التحرير وعنوانه الذى يؤكد بقاء الحكومة، أم خافوا من العبث بمقال رئيس التحرير.

صباح أمس الأول قالت الحكومة ونشرت الصحف وأكدت المواقع الإخبارية أن التعديل الوزارى فى حدود وزير أو اثنين، وكانت الطائرة فى انتظار الببلاوى للذهاب لنيجيريا لحضور قمة الكوميسا، وقبل أن ينتصف النهار كانت الحكومة قد أعلنت عن استقالتها، بكامل هيئتها وتشكيلها، لتبدأ معركة التكهنات باسم رئيس الوزراء الجديد، وكأننا عدنا لسنوات حكومة أبوالدهب، وبصراحة، وحتى الآن، لا أعرف سبب هذه المسخرة.. هل السياسة أم الصحافة أم تواطؤهما معا؟.

 

 

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.