عمرو خفاجى يكتب | حكومة المياه «المعدنية»

عمرو خفاجى يكتب | حكومة المياه «المعدنية»

عمرو-خفاجى

أدهشتنى التصريحات المنسوبة للمهندس إبراهيم محلب رئيس الحكومة الجديدة عن سياسات تقشف فى مبنى المجلس تقضى بحرمان الموظفين من استخدام المياه المعدنية وأغلب الظن أن محلب المولع بالإعلام يعتقد اعتقادا راسخا أن المواطنين سيتخذون تصريحاته على محمل الجد، فكل الحكومات التى شهدها مصر فى الخمسين عاما الأخيرة تبدأ بهذا النوع من التصريحات التى سرعان ما يتلفها الهواء ونتمنى ألا تتلفها المياه هذه المرة، وأدهشنى أكثر أن السيد رئيس الوزراء أصدر تعليماته بمنع المياه المعدنية، (بالمناسبة المصطلح خاطئ لأن هذه المياه طبيعية وليست معدنية وإنما جرى العرف على تسميتها بذلك) عبر بيان رسمى من مجلس الوزراء يؤكد ذلك، والبيان صدر قبل أن يذهب محلب لأداء اليمين الدستورية، كما تضمنت تعليماته التقشفية أيضا، تقليص ركبه المرورى لسيارة واحدة فقط، وصدر لهذا القرار أيضا بيان صحفى من مجلس الوزراء، وكأن الرجل يريد أن يبلغنا بأن حكومته ستتقشف وتبدأ من نفسها، وبمعالى رئيس الوزراء شخصيا، الذى سيضحى ويشرب من مياه «حنفيات» مقر مجلسه الموقر، وسيتحرك عبر موكب يتيم بسيارة واحدة.

ما فعله السيد رئيس الوزراء كان من الواضح أنه يستهدف الإعلام مبكرا ليعكس واحدة من أهم توجهات حكومته، وهذه هى المشكلة، فبصراحة لا أحد منشغل بنوعية المياه التى يشربها السيد رئيس الوزراء ولا بتكلفتها على ميزانية الدولة، وهى بالتأكيد أرقام لا تذكر، لكن الرأى العام سينشغل حقا، بسياسات هذه الحكومة وممارساتها التقشفية الحقيقية التى تساعد فى ضبط الموازنة العامة للدولة، الرأى العام لن ينشغل بعدد سيارات موكب السيد رئيس الوزراء، بقدر ما سينشغل، بقدرة حكومته على العمل على توفير وسائل مواصلات عامة للكافة، فى القاهرة وخارجها، فى المدن والقرى أيضا، بدلا من العذاب اليومى الذى يواجهه جميع المواطنين، من يملك سيارة ومن لا يملك، من يقطن العاصمة ومن يقطن أصغر نجع فى ربوع مصر.

إذا كان المهندس إبراهيم محلب يرغب فى جعل حكومته استثنائية، كما يصفها، وأنها ستكون حكومة الإنجازات، كما يؤكد فى حواراته الجانبية وأحاديثه الخافتة، فعليه أن يعلم جيدا أن بعض المشكلات تفاقمت بدرجة لا يمكن الانتظار عليها أكثر من ذلك، وأن هناك قطاعات من المواطنين سئموا لعبة الحكومات الانتقالية، وشبعوا من الوعود، وباتوا على محطة انتظار تنفيذ الوعود، هذه المرة، لا يرغب المواطنين فى سماع التبريرات والأعذار، فالحكومة التى تأتى، تأتى وهى تعرف جيدا حجم المشكلات ولا توجد مفاجآت لأى وزير، خصوصا أن ثلثى الحكومة ليس بجديد وسبق أن تقدم لنا بالوعود والعهود التى لم يتحقق منها شىء فى شهور حكومة الببلاوى.

أنا أدعو المهندس إبراهيم محلب أن يشرب المياه «المعدنية»، بل أفخر أصناف المياه المعدنية، وأن يضم موكبه عشرات السيارات، أفخم أنواع السيارات، لكن ما نطلبه حقا، أن تكون أعمال الحكومة هى الفاخرة والفخمة، وأن يشعر المواطن أن هناك شيئا ما يتحقق، وأن مطالبه عرفت طريق الحكومة، وان الحكومة تحاول ــ على الأقل ــ أن تبدأ فى مواجهة المشكلات على أرض الواقع، لا فى وسائل الإعلام بالتصريحات والحوارات، ولا حتى بالتقشف، ولا بالإعلان عنه.. فهناك من المواطنين ينتظرون المياه أى مياه، وآخرون ينتظرون أى شىء يساعدهم فى الانتقال، ولا يعرفون أصلا المياه المعدنية ولا مواكب السيارات.

 

 

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.