عمرو خفاجى يكتب | ردة الجامعة

عمرو خفاجى يكتب |  ردة الجامعة

عمرو-خفاجى

نظريا، تحتفل مصر منذ سنوات طويلة باستقلال الجامعة فى مثل هذه الأيام، وعمليا، لا نستطيع أن نتكلم عن الجامعة هذه الأيام، فحالها، لا يسر أحدا، وما يحدث بها يجعل الحديث عن استقلالها واستقلاليتها، حديثا عبثيا، فمع نهاية الترم الأول، كانت أقصى أمانى إدارات الجامعات المختلفة إقامة الامتحانات وحماية الطلاب والمنشآت، فكل ما شهدته الجامعة فى النصف الأول من العام الدراسى، قتلى وحرائق ومولوتوف وتخريب واقتحام مكاتب المسئولين، وصراخ هيستيرى، وفوضى عارمة فى كل شىء، وفى إجازة نصف العام، أصدرت محكمة الأمور المستعجلة حكما يقضى بعودة الحرس داخل الحرم الجامعى، لنبدأ الكرة من جديد، صحيح أن وزير التعليم العالى الجديد، قال إنه لن ينفذ الحكم إلا بعد العرض على المحكمة الدستورية، إلا أن القضية احتلت مساحات النقاش بعيدا عن نقاشات تطوير الجامعة والعمل على استقلالها فعلا.

فى عيد استقلال الجامعة المصرية، كنا نتمنى أن نبدأ العمل على تحقيق حلم أحمد لطفى السيد المدير الأول للجامعة ومحقق استقلالها الذى نحتفل به والذى استقال أكثر من مرة من أجل الاستقلال، مرة لرفضه إبعاد عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين من الجامعة، وأُخرى لرفضه دخول الشرطة لحرم جامعته لمواجهة تظاهرات الطلاب، وفى المرتين نجح لطفى السيد فى تحقيق مآربه، كان هذا منذ أكثر من ثمانين عاما، لذا يصبح من المخزى أن نناضل من أجل ذات الأهداف التى كان يناضل من أجلها هذا الرجل، ويصير الأمر حزينا ومؤلما أن تكون غايتنا الآن حماية الجامعة من زجاجات المولوتوف، وفوضى بعض الطلاب، وتحصين مكاتب العمداء، أو حتى عدم عودة الحرس، فكل ذلك يمثل انتكاسا وهزيمة، لا فوز وتطور قلاع العلم والمعرفة.

عودة الحرس للحرم، ليست هى قضية استقلال الجامعة، ولا الحفاظ على المنشآت هو الغاية، وإنما هناك ضرورة عودة المفهوم الأصلى للاستقلال، وهذا ما يجب أن يعمل عليه الجميع، الاستقلال المالى والإدارى، والأهم الاستقلال الفكرى والمعرفى الذى يعانى حقيقة من مصاعب ومتاعب، ويكفى أن نذكر ما تعرض له المفكر الراحل نصر حامد أبو زيد بسبب أحد أبحاثه، والحقيقة أن المشكلة ليست أبدا فى دخول الشرطة الحرم الجامعى لحماية الطلاب والمنشآت، وإنما دخول الشرطة فى الموافقات على سير العمل داخل الجامعة، فى تعيين ورفض التعيين، فى الموافقة على سفر أو عدم سفر الأساتذة، وبالمناسبة كل ذلك لديه أسانيد قانونية فى المجلس الأعلى للجامعات، وهذا ما يجب أن تناضل الجامعة من أجله.

فى الواقع، إن الانشغال بمولوتوف الجامعة، هو فى حد ذاته مولوتوف ضد أفكار استقلال الجامعة، وضياع لجهود طلاب الاستقلال، وفى كل الأحوال الانشغال بمثل هذه القضايا هو إهدار لقيمة أساتذة الجامعات، ولقيمة الجامعة نفسها وأهميتها فى تقدم المجتمع والدولة، وبصراحة فإن ما يحدث فى الجامعة لا يعبر عن ثورة، بل ردة، خاصة أن حكم عودة الحرس كان قبل قيام ثورة يناير، فهل يجوز أن نعيد ذات النضالات وكأن الثورة لم تكن، وما تحقق ارتد علينا من جديد.

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.