عمرو خفاجى يكتب | ضجيج الناصرية فى الانتخابات الرئاسية

عمرو خفاجى يكتب | ضجيج الناصرية فى الانتخابات الرئاسية

عمرو-خفاجى

فى خلفية مشهد الانتخابات الرئاسية، جزء من ظلال مصر الناصرية، يتقدم أحيانا ويتراجع فى أحيان أخرى، لكنه حاضر دائما منذ بدء الحديث عن هذه الانتخابات، ثم تجلت الحالة الناصرية حينما اكتفت قائمة المرشحين باثنين فقط، عبدالفتاح السيسى وحمدين صباحى، مما جعل من هذه الظلال صورة مكتملة أمام أى مراقب لهذه الانتخابات، فمع أول خطاب حر تكلم فيه الفريق أول عبدالفتاح السيسى وزير الدفاع، تدافعت الآراء والتعليقات لتشبيهه بالرئيس الراحل جمال عبدالناصر، حتى إن صحفا عالمية كبرى علقت بذلك أيضا ثم تنامت الفكرة، حتى صارت أقرب صفة لصيقة بعبدالفتاح السيسى المرشح الرئاسى، فى المقابل، بدأ حمدين صباحى حياته السياسية بعبارة أنا ناصرى، وكان حديثه الأول الذى عرفه الرأى العام قبل ما يقرب من ٣٧ عاما، عن الناصرية فى مواجهة الرئيس الراحل أنور السادات شخصيا، وبالطبع رسخ هذه الصورة طوال الأعوام الطويلة الفائتة، ليصبح رمزا. ناصريا كبيرا سواء أحب البعض ذلك أو كرهه، فذلك من مسلمات الحياة السياسية المصرية، قبل ثورة يناير وبعدها، وهى أيضا الثورة التى يتحدث الجميع باسمها الآن، ولم ترفع ميادينها صورا لشخص سوى صور عبدالناصر.

رغم ذلك، فإن تفاصيل الصورة تبدو مغايرة تماما لكليتها، فالسيسى وحملته لم يذهبوا لعبدالناصر حتى هذه اللحظة، فالحملة تبدو أقرب لحاصل جمع قوى سياسية مختلفة، بما فى ذلك قوى ناصرية، حاضرة بقوة بجوار المرشح الرئاسى، وعلى ما يبدو أنها ستكتفى بنوستالجيا زمن عبدالناصر لا أكثر ولا أقل، وربما يدرك بعض قادة الحملة أن زمن ناصر فات، ولا يمكن الحديث عن المستقبل بمفردات وأفكار الماضى حتى ولو كانت عظيمة، وغالبا تبذل الحملة جهودها، على ما عرفت من بعض قادتها، لإضفاء مواصفات حالة «يسار الوسط» على مرشحهم، مع هيمنة واضحة لسياسات اجتماعية تستهدف الفقراء، بعد سنوات طويلة من هيمنة أفكار يمينية خالصة على الحكم فى مصر، واستدعاء ناصر وسياساته ودولته، لا يبدو منطقيا الآن، فلا الظروف تشبه ظروف يوليو ١٩٥٢، ولا المستقبل الذى يرغبه الشعب يتمثل فى دولة ناصرية، فمصر حرة مستقلة، تجاوزت فكرة الاستقلال الوطنى، حتى لو رأى البعض غير ذلك، وتبحث عن حياة أفضل، أمنيا واقتصاديا.

ومن ناحية المرشح الرئاسى الآخر، حمدين صباحى، لا نستطيع أن ننزع عبدالناصر من العقل الجمعى لحملته ومناصريه، وإن كان ذلك بحكم العنوان الذى حمله حمدين على ظهره طوال مشوار عمره السياسى، لكن الواقع على الأرض، وما نراه حقا من نتاجات هذه الحملة، أن عبدالناصر ليس فى متنها، ولا دولته مستهدفة فى برنامج مرشحها، بل يظهر لنا جليا أن المرشح حمدين صباحى هو مرشح الثورة، وتحديدا ثورة يناير، وهذا ما تجتذب به الحملة الأنصار والداعمين، وبالمناسبة هذا تصرف ذكى وعاقل، ولا ينقص من قدر عبدالناصر شيئا، فالواضح أن الحملة لا تتمسك بعبدالناصر تمسكا أرثوذكسيا، بدليل أنها تباغت حملة المنافس (السيسى) باعتباره من خلفية عسكرية، وأن وصوله لسدة الرئاسة سيمضى بمصر فى اتجاه عسكرة الدولة، وهذا بالطبع لا يصب فى مصلحة نظام يوليو، أيا كان تقديرنا له، فهو نظام وضعه وصنعه ضباط جيش، بالرغم من أن ضباط يوليو مارسوا السياسة أكثر بكثير من ممارستهم للعسكرية، قبل وصولهم للحكم.

أخيرا، يبقى وجود ناصر وسياساته ومحطاته الوطنية وانحيازه للفقراء، مجرد زينات تجميل تاريخية، لم يستطع المرشحان الإفلات منها، بحكم «تشابه تاريخى» وهو الصراع الكبير الذى سيواجه الرئيس القادم مع جماعة الإخوان، نفس الصراع الذى واجهه عبدالناصر قبل ٦٠ عاما بالتمام والكمال، لذا يبقى وجود الناصرية فى الانتخابات الرئاسية مجرد وهم، وضجيج جميل، عند البعض، ولا طحين له، عند الجميع، فالتواريخ لا تعيد إنتاج نفسها أبدا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.