عمرو خفاجى يكتب | (لا تكلمونا عن الديمقراطية)

عمرو خفاجى يكتب |  (لا تكلمونا عن الديمقراطية)

عمرو-خفاجى

من الواضح أن الشعار الذى كان حاكما لثورة يناير ٢٠١١، بدأ فى الانشطار بوضوح مع الاقتراب من الانتخابات الرئاسية الثانية والتى ستتم بعد ما يقرب من ثلاثة أعوام ونصف العام من اشتعال الثورة، فبات جليا أن لقمة العيش عادت من جديد لتتصدر المشهد تاركة خلفها الحرية والديمقراطية، وأصبحت هى الطلبات الواضحة، مع الأمن، من المرشحين الرئاسيين، فى ظل قلق متزايد من تردى الأوضاع الاقتصادية والتى لا نلمح أى محاولات جادة لإصلاحها، أو حتى حوار جدى عن إصلاحها، وربما كان انتظار إعلان إسم الرئيس الجديد، وهو آخر انتظار سيتحمله المواطنون، وبعدها، أعتقد أنهم، لن يستطيعوا ممارسة أى نوع من الصبر.

وكالة رويترز للأنباء، بثت أمس تقريرا مطولا عن تزايد الرغبات الجماهيرية فى ضرورة الاهتمام بـ«لقمة العيش» وأشارت الوكالة بنصوص صريحة ومباشرة إلى أن الغالبية باتت تكره الحديث عن الديمقراطية، وأحد الذين تحدثوا لرويترز قال نصا (لا تكلمونا عن الديمقراطية)، فى نفس الوقت الذى بدأت فيه بعض النخب الاعتراف بأن الساسة أخطأوا طوال أعوام الثورة، وأن النخب كذلك، حيث ضلت الطريق بمناقشات سياسية فوقية وأهملوا تماما طلبات الناس ورغباتهم، ولم يفت تقرير الوكالة العالمية تحميل الانقسام السياسى كل خطايا اللحظة، والكشف عن أن ما يشغل الجماعة الآن، هو الظهور فى دور الضحية، فى مواجهة من يعتقدون أنهم يقاومون شر الجماعة وإرهابها، والأكيد أن الناتج عن ذلك الانقسام، هو غياب لقمة العيش عن الحوار العام والاهتمام الحكومى.

بالطبع يصعب على أى مراقب الامتثال، فجأة، لفكرة عدم الحديث عن الديمقراطية، فالنخب عادة تدرك وتؤمن بأن الحرية والديمقراطية هى الطريق السالكة نحو توفير «لقمة العيش» بكرامة وإنسانية، لكن من الواضح أن الحديث عن الديمقراطية، كان سخيفا وغامضا طوال الأعوام الماضية، ولم يحقق أى شىء للمواطن، الذى لم يفهم من الديمقراطية، حتى الآن، سوى أنها صناديق يمكن أن تسيل الدماء عليها بغزارة، وما بعد الصناديق، خناق، وبعد الخناق، مولوتوف وخرطوش وحرق وسلب ونهب، على الأقل هذا ما ترسخ فى ذهن المواطن، وما زال يعانى منه، لذا عبر عن غضبه ورفصه بفكرة (لا تكلمونا عن الديمقراطية) وكلمونا عن لقمة العيش.

لا يمكن تصور التوقف عن المطالبة بالحرية والديمقراطية، ولكن لا يمكن أيضا إهمال الجماهير لهذه الدرجة، بل يجب إقناعها بضرورة الحرية والديمقراطية، بشكل يمكن أن تدرك فيه الجماهير أهمية الحرية والديمقراطية كسبيل للخلاص مما نعانى منه، ولقمة العيش ليست سبة، كما أنها ليست ترفا، فهى ضرورة لاستمرار الحياة، والتى بات قطاع واسع من المواطنين يشعر بأنها مهددة بفعل وممارسات ما اعتقدوه أنه الديمقراطية، أو ما اعتقدت النخب أنها الديمقراطية التى يحلم بها الشعب، لنبقى جميعا أمام ثنائية صعبة يجب فك الارتباك بينهما، ثنائية الديمقراطية والإرهاب، التى حلت علينا بفعل الأطماع السياسية، دون أن تدرك جميع القوى، إسلامية وغير إسلامية، أنها تذبح مستقبل هذا الشعب بسكين بارد.

 

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.