عمرو خفاجى يكتب| مخاطر التصويت السياسى

عمرو-خفاجى

لا أفهم لماذا تصر النخب المختلفة على اتخاذ مواقف سياسية عنيفة، سواء بالموافقة أو الاعتراض، على تعديلات دستور ٢٠١٢، دون أن تقوم هذه النخب بمناقشة المواد التى تم تعديلها، الجميع يستعجل فقط إعلان مواقف عامة دون أن يشرح أسبابه أو دوافعه التى شكلت وصنعت موقفه، طبعا التعميم لا يجوز، لكن ما ألمحه فى المشهد العام هو الذى يعكس ذلك، بالطبع أتفهم جيدا موقف الرافضين كليا للدستور بسبب موقفهم السياسى العام من عزل محمد مرسى، فهذا موقف طبيعى فى إطار الرفض التام لكل ما حدث، أما ما لا أتفهمه وصفهم الدستور بأنه دستور ردىء، وسيئ واستبدادى، إلى آخر ذلك من الأوصاف والتشبيهات الإنشائية الفارغة من المعانى والدلالات الحقيقية، لأنهم فى واقع الأمر هم أو من يقفون خلفهم أو أمامهم، من وضعوا هذا الدستور، وسبق وأن اعترفوا بأنه يحتاج لتعديلات فى بعض المواد، قدروها عقب صدور الدستور مباشرة بما يقرب من ١٥ مادة، فكيف انقلب الحال، خاصة والمواد المعترض عليها مثل المحاكمات العسكرية للمدنيين، كانت موجودة فى الدستور الذى صاغوه، بشكل أكثر فجاجة من الصياغة التى تمت فى الدستور المعدل، وبصراحة هذا الموقف يكشف بشكل فاضح، أن نخب المعارضة من فرق الإسلام السياسى، بعيدة تماما عن فهم مطالب غالبية هذا الشعب، أو حتى إنها معنية بهذه المطالب، فكل ما يشغلها، الانتقام من الذين اعتقدوا أنهم طردوهم من مقاعد السلطة.

فى مقابل هؤلاء، تذهب النخب المؤيدة للدستور، للتأكيد على عظمته وفخامته وروعته، وهى أيضا صياغات بليغة لا تعكس ما يتضمنه هذا الدستور من مواد تلبى احتياجات الشعب الذى ثار مرتين فى عامين ونجح فى الإطاحة برئيسين، بالرغم من أن بعض التعديلات التى قامت بها لجنة الخمسين، جاءت استجابة للمطالب الثورية، مثل تحديد نسب مئوية من الناتج القومى الإجمالى للإنفاق على الصحة والتعليم، لكن غالبية النخب لا تنشغل بذلك، وتذهب الى تعبئة الجماهير من أجل التصويت بنعم، على اعتبار أنها معركة سياسية ضد خصوم الوطن، تماما مثلما فعلت جماعات الإسلام السياسى عند الاستفتاء على الدستور الذى تم تعطيله، ولم تترك لنفسها فرصة الدفاع عن جهدها فى صياغة الدستور، أو فى شرح أهمية المواد التى صاغوها من أجل تلبية مطالب الثورة، وبالمناسبة هى مواد جيدة وكثيرة ولجنة الخمسين لم تقترب منها لتحقيقها الصالح العام .

التصويت السياسى على الدستور، كما يفعل البعض الآن، يفقده مصداقيته، لأنه دستور جيد رغم الخلاف على مادة أو مادتين فقط، وهو ما يعنى أنه دستور نستطيع أن نتوافق عليه، وأن يحكم فيما بيننا، ويصلح لانتاج قوانين نحن فى حاجة اليها بالفعل، لذا نحن فى حاجة حقيقية لشرح هذا الدستور للرأى العام بشكل دقيق وتفصيلى، حتى يذهب كل مواطن للموافقة عليه من باب أنه يحقق صالحه ومصالحه، وبالتالى يرضى به ويدافع عنه، وكذلك الذين يرفضونه، يتأكدون أن مواد هذا الدستور لا تحقق ما يريدونه ولا يجدون فيه ما كانوا يرغبونه، وبالتالى سيكون رفضهم منطقيا وإيجابيا لتقدير حجم المعارضين لمواد هذا الدستور، ولإعادة مناقشة المواد التى أبدوا اعتراضهم عليها، فلن يكون لدينا دستور دائم إذا ما ظل التصويت سياسيا عليه، ولن نستطيع التقدم، حقيقة، إلا إذا نجحنا فى دفع المواطنين للتصويت على مواد هذا الدستور لا انحيازا لمواقف سياسية متشنجة، حتى نتأكد أن هذا الدستور بعد تعديله، يليق بمطالب الشعب الثائر وأنه قادر على الخروج به من عثرته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.