عمرو خفاجى يكتب | مساجد وهمية

عمرو خفاجى يكتب |  مساجد وهمية

عمرو-خفاجى

من أهم صور الفساد التى كانت متفشية قبل الثورة ونجحت فى الاستمرار بعدها، ما نستطيع أن نسميه تجارة الوظائف الحكومية، وهى تجارة رائجة بسبب زيادة الطلب على وظائف الحكومة من غالبية المواطنين، وترتفع نسبة الطلب على هذه الوطائف من الذين لا يحملون مؤهلات دراسية عليا، وكانت وزارة الأوقاف ــ للأسف الشديد ــ واحدة من الوزارات التى تم استهدافها من أجل ممارسة تجارة الوطائف، وقد خرج علينا وزير الأوقاف فى حكومة الدكتور هشام قنديل مؤكدا أن هناك موظفين نجحوا فى التعيين بهذه الوزارة من دون علم مسئوليها، وأن عمليات التعيين هذه تمت عبر خداع واسع من صغار المسئولين، خصوصا فى مديريات الأوقاف البعيدة عن مركز الوزارة فى القاهرة، لكن الوزير أعلن ولم يفعل شيئا، وكان أقسى وأصعب ما حدث فى هذه الوزارة، هو خلق مساجد وهمية لا وجود لها من أجل تعيين موظفين على قوتها، بدءا من الإمام والخطيب ومرورا بمقيم الشعائر والمؤدن، وانتهاء بالخادم، وغالبا ما تكون قوة العمل فى المسجد تتراوح ما بين أربعة وخمسة موظفين، وفقا لمساحة المسجد وموقعه الجغرافى.بداية، سألت السيد وكيل وزير الأوقاف لشئون المساجد عن هذه الظاهرة متمنيا نفيها، إلا أنه أكدها، وذكر لى أن منطقة ٦ أكتوبر فقط، وقت أن كانت محافظة، وصل عدد الموظفين التابعين للمساجد الوهمية حوالى ألفى موظف، وفى الإسكندرية تجاوز العدد خمسة آلاف، أى أن بالإسكندرية وحدها يوجد أكثر من ألف مسجد وهمى، وفى أكتوبر حوالى خمسمائة مسجد يحمل هذه الصفة، طبعا لا أحد يعرف كيف تم ذلك، ولا كيف يتم خلق المساجد الوهمية، إلا طريقة واحدة متكررة عرفتها الوزارة، حيث يكون المسجد مقاما على قطعة أرض تحتل ناصية على شارعين، فمثلا يحمل المسجد اسم «مسجد السلام»، ويتم تعيين موظفين له، وبعد فترة، يطلقون اسما جديدا آخر على نفس المسجد «مسجد الرحمة» ولكن يكون عنوانه على اسم الشارع الآخر، فيتم تعيين موظفين جدد له، وطبعا لا تسألوا عن عدم ذهاب موظفى الوزارة للمعاينة، فنحن جميعا نعرف أننا دولة ورق، وأن الورق هو المهم، وهذا ما نجح فيه من قاموا بتجارة الوظائف فى هذه الوزارة.الموضوع مخز ومؤسف، ليس فقط لأنها قضية متاجرة بحقوق المواطنين فى العمل، ولكن لأن هذا يحدث فى الوزارة المسئولة عن الدعوة والدعاة، عن المساجد وشئونها، وأن يصل الإهمال لدرجة اختراع مساجد غير موجودة، فتلك قصة تجلب لنا العار جميعا، وقد سألت المستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات عنها قبل عدة أسابيع، وقال إنه لا علم له بها، ووعدنى بمتابعة الأمر، فماذا سيفعل الجهاز حيال هذه القضية، وقد قال وكيل وزارة الأوقاف المسئول عن المساجد أنها حدثت، فماذا ينتظر جهاز المحاسبات أو غيره من الأجهزة الرقابية، ولماذا تصمت الدولة عن مثل هذه الجرائم الإدارية التى تكشف انهيار حقيقى فى إدارة شئونها، وكيف يفلت من جعل من المساجد وهما من العقاب، وهل سنترك قصة المتاحرة بالوظائف تمر هكذا من دون حساب أو مراجعة، والمؤلم حقا، أن بعضا من هؤلاء الموظفين المزيفين، يتظاهرون بحثا عن حقوقهم.. لا حول ولا قوة إلا بالله.

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.