عمرو خفاجى يكتب | واقعتان

عمرو خفاجى يكتب | واقعتان

عمرو-خفاجى

نشرت «الشروق» قبل أيام عن واقعة قيام بعض تلاميذ إحدى المدارس بالقاهرة ببيع المخدرات لزملائهم فى المدرسة، وعلى ما يبدو أن القصة قديمة ومعتادة، إلا أن ناظر المدرسة نجح فى ضبط التشكيل العصابى الصغير، وقام بكل ما يملك لتربية وتهذيب زعيم هذا التشكيل العصابى، كما ذكر أحد أولياء أمور الضحايا من التلاميذ، إلا أن الشىء الوحيد الذى لم يفعله السيد ناظر المدرسة، إبلاغ السلطات المعنية من شرطة ونيابة، واكتفى بالعقاب الداخلى، وفى ذات اليوم وذات الصحيفة «الشروق» كتب الدكتور ناجح إبراهيم مقاله عن واقعة فى صعيد مصر عن إحالة تلاميذ إحدى المدارس الجنوبية بتهمة حيازة سلاح «نبلة وطلق خرطوش فارغ» وجدول حصص عليه «علامة رابعة» وللحق كتب الدكتور ناجح إبراهيم كل ما يمكن كتابته فى هذا الإطار، بإخلاص شديد وبعمق فريد يحسد عليه، وبعدالة مذهلة، وبحنية خاصة على التلاميذ المتهمين/الضحايا، إلا أننا لا يمكن أن نتجاهل، التساهل فى المخدرات والشدة فى جدول الحصص والنبلة.

لا أعرف على وجه اليقين، صحة أو عدم صحة قرار ناظر المدرسة الأولى بعدم إبلاغ الشرطة عن تاجر المخدرات التلميذ، لكننى على يقين من عدم صحة الإجراء الذى اتخذه ناظر المدرسة الثانية، ربما تكون فكرة حماية تاجر المخدرات التلميذ ناجعة وقادرة على إصلاحه، وهنا تكون الفائدة عظيمة، على الأقل الناطر حاول منح التلميذ فرصة لصغر سنه، وربما يكون الناظر فعل ذلك اجتنابا لوجع دماغ الوزارة والإدارة التعليمية إلى آخره، ورغم بشاعة الواقعة وخطورتها، لكن هناك الكثير من الأسباب التى يمكن أن تدفعنا للتعاطف مع هذا الناظر، على العكس تماما من الناظر الثانى، الذى لا يمكن قبول ما قام به، ولا يمكن العثور على أى سبب لتبرير ما فعل، وكان لديه الكثير للسيطرة على الموقف وعلاجه تربويا، هنا أيضا لا أنفى خطورة الواقعة، فالسلاح أى كان نوعه داخل مدرسة جريمة كبرى يجب مواجهتها، لكن الواقعة برمتها كانت أبسط من الذهاب بالتلاميذ للنيابة والدفع بهم وسط متهمين بإجرام حقيقى.

أما الخطر الحقيقى الذى نستخلصه من الواقعتين، أن هناك ما يدور فى مصر على خلفية الاستقطاب السياسى، وصل لدرجة مجنونة، أقرب إلى الهيستريات الجماعية، فى كل الاتجاهات، دون أن يفكر أحد فى حماية المجتمع من هذا الجنون المارق، أو حتى حماية أنفسهم وأبنائهم من تداعيات هذا الجنون، وفى اللحظة التى نسامح فيها الإتجار فى المخدرات (أكرر لا أرى عيبا فى ذلك)، ونتشدد فى حمل طلقة خرطوش فارغة، وجدول حصص يحمل دلالة سياسية، نكون قد وصلنا لدرجة غير معقولة من الاستقطاب تغذى عنف مكنون وتشجع مروق خفى، سندفع ثمنه قريبا، لأن مثل هذه الوقائع، كما هى قادرة على توسيع الفجوة بين المتخاصمين المتجاذبين، هى أيضا فرصة لتصويب المواقف وتقويم المعوج من الحال والتقريب بين المختلفين بالقسط والرحمة واللين، أما ترك الحبل على الغارب للقسوة وردع السلطة وغلظة القانون، مع أبناء هم مازلوا فى سنى الطفولة، فنكون قد قررنا بذلك اختيار مستقبل البغض والكراهية والمعارك الصفرية التى لا تبقى ولا تذر.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.