عمرو خفاجي يكتب|المخ «اليمين» والمخ «الشمال»

عمرو-خفاجى

خلق الله، سبحانه وتعالى، مخ الإنسان من نصفين متماثلين تماما، نصف أيمن وآخر أيسر، لكنهما متضادان تماما فى المزاج، فكما قال لى الصديق الطبيب الحاذق ماهر القشاوى، أن النصف الأيمن رومانسى وعاطفى وفنان، بينما زميله الأيسر عقلانى ومنطقى وبيزنس مان،

والنصف الأيسر يتصل مع الأيمن عبر مجموعة من الكابلات تسمى باللغة العربية «الجسم الجاسئ» وهى التى تقوم بدور التنسيق والوساطة بين النصفين حتى تتوحد إرادتهما، وتخرج تصرفاتهما بشكل موحد، فهذا الجسم الجاسئ مثل سفير النوايا الحسنة أو واسطة الخير بين الطرفين بحثا عن التوافق، وأحيانا يضطر الأطباء بتدخلات جراحية لقطع هذه الوصلات بين المخين (اليمين والشمال) لعلاج مريض، مثل حالات الصرع التى لا ينفع فيها العلاج الدوائى، ومن أهم آثار هذه الجراحة أنها من الممكن أن تجعل من الإنسان الذى يعيش بدون جسم جاسئ أن ينتج تصرفات متناقضة، مثلا وجه يعبر عن الحزن الشديد ولغة تعكس فرحة عارمة، أو يد تفتح زر قميص والأُخرى تحاول أن تغلقه بسرعة، وقد اعتقدت البشرية لقرون طويلة، أن روح الإنسان تكمن فى هذه المنطقة الفاصلة بين النصفين، أو أن الروح هى الجسم الجاسئ.

وتقريبا ما قاله الدكتور ماهر القشاوى، ينطبق تماما على ما نحياه الآن، حالة صرع لم ينفع معها دواء، فتخلصنا منه بقتل الروح كما اعتقد الأقدمين، فصرنا متناقضين فى كل شىء تقريبا، صار «الشمال» يحزن، فيفرح «اليمين» لحزنه، أو يحاول اليمين أن يبنى، فيذهب «الشمال» لوأد هذه المحاولات، وهكذا نعيش حماقات متتالية، لا تتوقف بين تنازع نصفينا، دون أن نفهم ماذا يحدث ولماذا يحدث، وأيضا دون أن نعثر حتى الآن على «جسم جاسئ» يقوم بوساطة بين النصفين، لإعادة الاتصال للتواصل والتعايش، من اجل التوافق على تصرفاتنا وقراراتنا، فكل جسم جاسئ يلفظه المجتمع بعنف غير مبرر، وكل نصف يذهب إلى آخر مدى فى تصرفاته على اعتبار أن ما يقوله هو الصح و(هى كده) برغم ان الله سبحانه وتعالى خلقهما متصلين متعاونين قادرين على التعايش، ناجحين فى ممارسة الحياة معا، رغم اختلاف أمزجتيهما، لذا لا يمكن لأى نصف، منفردا، أن يكون قادرا على اتخاذ القرار الصحيح، أو تكتمل افكاره صوتا وصورة، أو تكون قادرة على إنجاز أى شىء على الوجه الدقيق.

إن استعادة الروح القديمة، أو ما نعتقد أنها الروح، هى الضرورة الملحة الآن للتواصل ولإنهاء هذا العراك السخيف بين نصفين واتجاهين فى مجتمعنا، لا بحثا عن استسلام نصف للآخر، ولكن لضبط كهرباء استمرار الحياة بشكل صحى، وإذا فهمنا ما قاله الدكتور ماهر، فهذا يعنى ببساطة انه ليس من حق أحد الاعتراض على ما يقوله الآخر، فالعلم ببساطة شديدة يكشف عن عدم دقة ما يقوله أو يعتقده كل إنسان، بل هو بالضرورة ليس اليقين الكامل، بدليل أن كل إنسان ممكن أن تتنازعه اختلافات داخلية عبر ذات المخ.. وجهه يضحك ولسانه فى غاية الحزن، كما نعيش الآن، وبصراحة ووسط كل هذه التناقضات بين «الشمال» و«اليمين» لا نجد ما نثق فيه سوى العلم، الذى فسر لنا كل ذلك واكتشفه، وأكد لنا أن هناك أكثر من حقيقية، وأن الحق متعدد، وأن العدل نسبى، وأن كل ما نحتاجه جسم جاسئ يتوسط بين طرفينا وأن نعود ونعتقد كما كان يعتقد الأولون أن هذا الجسم الجاسئ هو الروح التى نحيا بها، فلا يوجد سبب منطقى (إن روحنا تطلع أكتر من كده).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.