عمر طاهريكتب | صافينى مرة

عمر طاهريكتب | صافينى مرة

عمر طاهر

لا يمكن للواحد أن يعرف بالضبط لما يستيقظ من نومه تلحّ عليه أغنية ما، لا كلماتها تعبر بدقة عن حالتك المزاجية، ولا مطربها يحتل مكانة مهمة فى قائمة الأصوات المفضلة، تظل النغمة هى البطل، هى اللى علقت بروحك فى موقف عابر من ليلة سابقة ولم تشعر بها وقتها، بالضبط مثل كدمة تتعرض لها فى ركبتك وتؤلمك بعدها بيوم فتظل تتذكر أصل الإصابة مندهشا «ما وجعتنيش فى وقتها».

أصحو أقلِّد بحنجرتى المشروخة المقدمة الموسيقية لـ«صافينى مرة» قبل أن أغنّى بصوت معتلّ ما كتبه سمير محجوب على متن سفينة من التى كان يعمل عليها ضابط بحار قبل أن يهجر البحر ويتفرغ للكتابة والشعر «صافينى مرة.. تى ريت تى تيت.. وجافينى مرة»، يتغير كل شىء من حولك من الحمام إلى المطبخ إلى الشارع فى انتظار التاكسى، ضوضاء عارمة فى قصر العينى، ولا شىء قادرًا على أن ينسيك الموضوع، يبدو فى لحظات كأنه أيقونة تواجه بها العالم فى هذا الصباح، تحاول حتى أن تنتقل داخل الأغنية نفسها من هذا الدخول إلى كوبليه آخر فتغنّى مثلا «وتروح الفكرة وتيجى الفكرة وانت ناسينى كده بالمرة»، لكن لا أفكار تروح أو تعود سوى «صافينى مرة وجافينى مرة».

لحَّنها الموجى وقدمها لمطربة ملاهٍ ليلية اسمها زينب محمد، غنَّتها على المسرح لمدة عامين إلى أن اعتزلت الغناء فآلت إليه الأغنية من جديد، تعرَّف على عبد الحليم فى الإذاعة، كان حليم يشاركه رحلة عرض الأغنية على كبار المطربين وقتها، ذهبا معًا إلى عبد الغنى السيد وشهرزاد، وكان حليم يتفنن فى تحلية بضاعة صديقه فى أن يغنى معه مقاطع منها أمام الكبار حتى يحبها أحدهم فيشتريها، ولكن دون فائدة، إلى أن قرر حليم أن يغنيَها، ويبدو أن الموجى كان يرى أن المسألة «كده كده خربانة» فقال له غنّى، فانطلقا إلى عالم جديد من أرضية هذه الأغنية، لكننى الآن فى التاكسى أحاول أن أنطلق إلى أى مكان بلا جدوى.

أصبحتْ المشكلة الآن محاولة تذكُّر أين علقت هذه الأغنية بى، استرجعت اليوم السابق كله محاولا أن أصادفها فى رنة موبايل أو فى راديو معلق فى كشك أو فى ساعة حليم فى إذاعة الأغانى فى تاكسى، ربما توقفت عندها عند فقرة الوثب بالريموت بين المحطات، حاولت ولم أتذكر، ولكننى تذكرت حوارًا صحفيا مع الموجى يبدو ساعتها (كان تقريبا عام 66) أنه لم يكن على وفاق مع حليم، وهى الفترة التى اندمج فيها حليم مع بليغ وحاول الموجى تعويض فجوة الصداقة بتقديم أصوات أخرى مثل كمال حسنى «غالى علىّ»، قال الموجى عندما سأله المحاور عن حليم «أحسن ما فى عبد الحليم صوته، وأسوأ ما فى عبد الحليم نفسه»، وعندما سأل عن عبد الوهاب قال «إنه المنهل الذى ارتوى منه الجميع، ولكن أسوأ ما فيه الأنانية والوسوسة»، وعندما سأل عن حليم وما أخذه من عبد الوهاب قال «أخذ كل عيوب عبد الوهاب».

لم يكتب سمير محجوب لعبد الحليم مرة أخرى، وأنا فى لقاء عمل ما زلت أدندن بها ولكن بصوت مضغم، يسألنى أحدهم عما أقوله، لا أخبره، ولكن أقول له: هل تعرف ماذا فعل الموجى عندما عرف خبر وفاة عبد الحليم؟، كان الموجى جالسا فى «شبرد» وعندما وصله الخبر أخذ يلطم حتى انساب خيط دم من أنفه، عاد إلى بيته منهارًا يتصل بالجميع يخبرهم بما حدث وهو يقول جملة واحدة «حليم مات.. عودى اتكسر.. حليم مات.. عودى اتكسر».

فى يوم تالٍ استيقظت وقد نسيت الأغنية تماما، لكننى تذكرت مصعدًا فى بيت صديقى كنت أزوره منذ يومين

وقد كتب أحدهم بخط ردىء على باب المصعد الداخلى «صافينى مرة شقة 43»

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الدستور الاصلى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.