عمر طاهر يكتب | افتحوا «قصر العينى» يا ظلمة

 للمرة التاسعة أكتب الكلام نفسه، وسأظل أكتبه، لأن مأساة سكان وسط المدينة تتفاقم يوما بعد يوم. أكتب بالنيابة عن سكان منطقة وسط المدينة، وربما بالنيابة عن قطاع كبير من سكان العاصمة، وبالأصالة عن نفسى بما أننى من سكان شارع قصر العينى.

منذ زرع المجلس العسكرى فى محيط منطقتنا حواجزه الأسمنتية لحماية وزارة الداخلية ونحن نعيش الأمرّين، لا مجال لشرح المعاناة هنا كما يجب، لأنها تحتاج إلى عشرات الكتب لتحكى لكم آلاف القصص عن العذاب الذى يعيشه كل أهالى هذه المنطقة، من وقف لحال التجار وفشل الطلاب والموظفين فى اللحاق بالمواعيد المحددة لهم، بالخطر الذى نعيشه لتعذر وصول سيارات المطافئ والإسعاف فى الوقت المناسب، بكل ما يمكن أن يرد على خيال حضراتكم من مآس نتيجة الاضطرار إلى تضييع ساعة ونصف لعبور ميدان يحتاج فى العادى إلى عشر دقائق لاجتيازه.

بالأمس توفيت جارتى المسنة داخل سيارة الإسعاف، بعد أن انحشرت السيارة كعادتها فى الطريق الفرعى الذى اخترعه المواطنون عبر أحد شوارع جاردن سيتى الضيقة للخروج من قصر العينى باتجاه أى بقعة فى العالم، لفظت أنفاسها قبل أن تتمكن سيارة الإسعاف من الخروج من هذا الحيز.

قبلها بأسابيع التهمت النيران جزءا لا بأس به من عقار موجود فى المنطقة، ولولا أن الوقت كان متأخرا مما يعنى السماح لسيارة المطافئ أن تسير فى الاتجاه العكسى فى ظل كثافة مرورية محدودة، لولا ذلك لتحول الحريق إلى كارثة مروعة.

سكان المنطقة يعيشون فى سجن نوعى ويصبرون على أمل أن الجدران ستتم إزالتها بعد يوم، وهو يوم لا يأتى أبدا منذ شهور، وصارت المنطقة عبارة عن فخ كبير لأى سيارة تدخلها، ناهيك بالعذاب الذى يلقاه كثيرون نتيجة رفض أى وسيلة مواصلات عامة مثل التاكسى أو الأوتوبيسات أن تدخل هذا الحيز، وأصبح الشلل هو السمة المميزة لحركة السير، شلل تمتد آثاره فى أوقات الذروة حتى كوبرى الجامعة جنوبا وحتى ماسبيرو شمالا، مرورا بشوارع رئيسية فشلت فى استيعاب هذا التراكم، ناهيك بالحوادث التى تقع يوميا فى المنطقة نتيجة اجتهاد الناس فى العثور على تخريجات فرعية من الزحام دون أن يكونوا على دراية بالمنطقة، فتكون النتيجة أن تتصادم سيارتان كل عشر دقائق، لأن كل واحدة فوجئت بأخرى لا تعرف طلعت لها من فين.

المأساة أكبر من حدود المنطقة وتخص سكان قطاع أكبر من العاصمة بمن فيهم من يشاء حظه العاثر أن يمر بالمنطقة أو بالقرب منها، ناهيك بآلاف يزورون المنطقة كعمال وموظفين وليسوا كسكان، ناهيك بأثر هذا الكمين على نطاق أوسع من دائرة قصر النيل.

والإهانة جماعية، فزارع الجدران الأسمنتية لا يزال يعامل المصريين معاملة الحيوانات.

الجدران تخنق العاصمة وتخنق أهل المنطقة، وهى دليل فشل من يقود البلاد فى المرحلة الانتقالية، ودليل على أن قادة البلد يحبون مبنى وزارة الداخلية أكثر من اهتمامهم بمصالح الشعب، ويخشون عليها من الخطر أكثر مما يخشون على مواطن أو أكثر لفظوا أنفاسهم، لأنهم لم يمتلكوا وقتا كافيا للخروج من المنطقة باتجاه المستشفى.

هل فيه فى البلد دى حد ممكن يحس بالمأساة بكل تجلياتها المنعكسة على الجميع من الأطفال إلى المسنين، ومن المقيمين إلى من يقوده حظه التعس لقضاء مصلحة فى منطقة نسيتها الدولة تماما؟


(المصدر: جريدة التحرير)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.