عمر طاهر يكتب | الشدّة «من المفكرة»

عمر طاهر يكتب | الشدّة «من المفكرة»

عمر طاهر

عرض الله أمانة الحياة على الجبال فاعتذرت عن عدم قبولها، من المؤكد أن الجبال قد اعتذرت بأدب، وإلا لكان الله استبدل بها رواسى من نوع آخر، الأدب هو الذى جعل الله يتقبل اندهاش الملائكة من فكرة خلق الإنسان الذى سينشر الدماء والخراب، بينما هم متفرغون للتسبيح على أكمل وجه «كانوا يرون فى أنفسهم أفضلية ما»، بينما سوء الأدب هو الذى جعل الله يخسف بإبليس الأرض عندما أبدى اعتراضا مشابها فى الموضوع نفسه.
عودة إلى الجبال التى رأت أن أمانة الحياة ثقيلة فاعتذرت عن عدم قبولها وقبلها الإنسان بكل ما فيه من اندفاع وجهل، ليكتشف بمرور الوقت أن الحياة صعبة بالفعل، وتحتاج إلى أن يكون الواحد «خمسين واحد فى بعض» حتى يستطيع أن يؤدى المطلوب منه.
واحد متفرغ للتفكير بكل أشكاله.. التفكير فى حكمة الوجود وفى التخطيط للمستقبل والتعلم من الأخطاء والبحث عن الحلول وتقييم الناس المحيطين به لتحديد الطريقة المثلى لمعاملتهم. وواحد متفرغ لملف أكل العيش والسعى على الرزق. وواحد متفرغ للعبادة «يفضَّل أن يكونا اثنين، واحد للعبادات كلها وواحد لعبادة الصبر فقط». وواحد متفرغ للتوبة عن الذنوب المتكررة. وواحد متفرغ للذنوب أصلا. وواحد متفرغ لمتابعة ملف الصحة والمرض والتحاليل وزيارة الأطباء واللف على المستشفيات والرقود فى الفراش. وواحد متفرغ لملف الدور الاجتماعى فى العزاء والأفراح وأعياد الميلاد، وكل ما يستوجب منه مشاركة الناس. وواحد متفرغ للأعمال الروتينية التى تسرق الوقت والجهد، مثل إصدار جواز سفر أو تجديد رخصة السيارة أو توصيل عداد الكهرباء أو إصلاح السباكة أو متابعة البريد الإلكترونى وحساب «فيسبوك» أو تغيير زيت الموتور، أو غسل الإيدين كل ساعتين بالماء والصابون حسب توصيات وزارة الصحة. وواحد متفرغ للبحث عن زوجة، وما إن يجدها حتى يتفرغ للبحث عن شقة، ثم يتفرغ لمتابعة النقاشين، ثم يعود فيتفرغ للزوجة، بعدها سيكون محتاجا إلى واحد متفرغ لتربية العيال ومراقبتهم وحمايتهم وحل مشكلاتهم. وواحد متفرغ للاستمتاع بالحياة دون أن يعيقه عن ذلك التفكير فى رصيد إجازاته السنوية، أو أى تقصير فى الميزانية أو أى ارتباطات عائلية. وواحد متفرغ لمتابعة حقه فى المحاكم. وواحد متفرغ لصلة الرحم. وواحد متفرغ للبحث عن رَكنة للعربية. وواحد متفرغ للمصائب والابتلاءات. وواحد متفرغ للشوبنج. وواحد احتياطى.

من حقك عزيزى القارئ أن تفخر بنفسك وأن تراها أقوى وأكثر صلابة من أى جبل فى العالم «كلمنى عن جبل ممكن يستحمل مشوار على يومين ورا بعض فى الشهر العقارى»، من حقك أن تقارن نفسك بالجبال فترى نفسك أكثر تحملا وأقدر على الحركة والمغامرة وتحسين الحياة والتحايل على المعوقات والتعامل مع الأخطار، الله يعلم ذلك من قبل أن يعرض الأمانة على الجبال، ولأن الله رحيم فقد منحك عندما خلقك ما لم يمنحه للجبال، منحك ما يجعلك أقوى من الجبال، منحك -وكما يفعل المحبون- قطعة من روحه.

 

 

 

 

 

 

 

المصدر : الدستور الأصلى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.