عمر طاهر يكتب | برما فى الساونا

عمر طاهر يكتب | برما فى الساونا

عمر طاهر

كان العرَق يتساقط من فوق جبهة برما قطرات متتالية فوق سماء «كرشه» الصغير، قال: «لماذا لا تكتب المسلسلات؟»، قلت له إننى أكتب لكن لا أحد يشترى، فقال: «اعمل لها إعلان فى الوسيط»، سألته إن كان قد جرب «الوسيط» من قبل، فقال: «أيام الصعلكة والنصب والفلس نشرت إعلانا تحت عنوان (تحف نادرة)، قلت فيه: (للبيع فردة قفاز شاليمار هانم طبزة، عشيقة الأمير سمير الأشقر)، كان لدىّ فردة قفاز نتنة من مخلفات جدتى، فكرت أن أبيعها بهذه الطريقة بحثا عن بعض الأساتك»، سألته إن كان الإعلان جاب نتيجة؟ فقال: «نعم بعد يومين اتصل بى شخص قال إنه حفيد الأميرة شاليمار، وإن فردة الجوانتى دى تخص العيلة، وإنهم عايزينه عشان الفضايح».

 

هذه قصة عميقة يا برما.. قلت له. مسحَ جبهته بإصبعه ثم نطرَ العرق فى وجهى بعفوية قائلا: «لا مؤاخذة.. صار العمق أمرا مبتذلا من فرط ادعائه طوال الوقت. الشخص الذى يصطنع العمق هو أكثر كائن يخشى أن يظهر للجميع سطحيته، أما من يبحث عن البساطة فهو شخص يكافح للهروب من ظلمات عميقة فى روحه يخشى أن يورِّط فيها أحدًا. البساطة هى أكثر الأشياء عمقا فى العالم، البساطة مجرد (شبرين ميه) لكن (تتعب فيهم سفاين.. وتتوه الطيارات) على رأى أغنية الثمانينيات الحزينة».

 

قال برما: «البساطة كنز، لكن احذر السطحية. عندك مثلا شعار شركة كوكاكولا الجديد (كأس العالم.. لكل العالم) به قدرة على إثارة الدهشة والانبهار لا تقل عن معجزة (شهداء 25 يناير ماتوا ف أحداث يناير)، تلك البساطة المعجزة القادرة على شلّ حسين رياض من جديد بعدما حركت الثورة أطرافه». قلت له: «ولكن الأغنية والشعار نجحا يا برما»، فقال: «إذا كانت (مصر أم الدنيا وهتبقى قد الدنيا) صارت شعار مرحلة، ومدخل قائلها لحكم هذا البلد، مش عايز (كأس العالم لكل العالم) تنجح».

 

قلت له: «ربما ليست سطحية ربما محاولة للتفكير خارج الصندوق يا برما».

 

قال برما: «هذا تفكير خارج صندوق الدنيا مش صندوق الأفكار. لقد تغير العالم بقسوة، كانت الذاكرة فى المخ وصارت الذاكرة الآن مجرد شريحة تضعها فى جيب بنطلونك (الورّانى)، وكانت دقة زيادة فى القلب تعنى أنك واقع فى الحب، لكنها اليوم تعنى أنك نسيت أن تأخذ حباية الضغط. كان البحث عن (فحميتين) شعار زبون القهوة فصار شعار دولة. وكان لدينا زمان ما يكفى من الرقة لأن نعتبر (قرقضة الفار تسبيح)، فصرنا نمتلك من البلاطة ما يجعل الشيخ فلان يفتى بأهمية أن تنفد بجلدك قبل أن يفرغ المغتصب من زوجتك فيفضَالك عشان (يحلى بيك). كانوا يدافعون عن حق البنت فى التعليم، واليوم هناك بنت حققت مكانة وإنجازا يجعلها (عايزة العريس بشنطة هدومه بس). أرجوك ألا تعتبرنى رجلا (كيوت) يتحسر على الأيام الجميلة، لقد صرت متصالحا مع التغيير، وأحاول أن أتعايش معه حتى تستمر الحياة. أنا شخصيا مر علىّ فى مصر سنوات طويلة، وأذكر أنه فى آخر ثلاث سنوات قهرنى المحكوم أكثر من الحاكم، وإذا تأملت وجهى الآن ستجد به خمس تجاعيد، واحدة من الزمن وأربع من مصر».

 

«تتعب فيها السفاين وتتوه الطيارات.. من أغنية (مسافات) غناء نادية مصطفى.. كلمات مصطفى الشندويلى».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.