عمر طاهر يكتب | بطانية كمان وكمان

عمر طاهر

 

 

مع بداية كل شتاء أحب أن أتطفل على القادرين لأشاركهم الثواب غلاسة، أعرف أن معظم القراء يخططون لمساعدة المحتاجين على اجتياز برد هلَّت بشائره حاملة فيروس الأنفلونزا اللعين فجعلت كثيرين منا يقضون أيام العيد يقرؤون النشرات الداخلية لعلب الأدوية المرصوصة إلى جوار الفراش، أعرف أن كثيرين على أهبة الاستعداد للمساهمة فى نشر الدفء عبر ربوع الوطن ولكن لا مانع من التشجيع وتنشيط الفكرة.

كتبتُ فى العام الماضى مقالا بعنوان «بطانية لكل مواطن» شجَّع كثيرين على تبنى الفكرة. يمكن البحث على الإنترنت و«فيسبوك» عن مجموعات تعمل تحت هذا العنوان لجمع وتوصيل البطاطين فى مدن وأماكن مختلفة، وربما يكون الوقت الآن مناسبا لإحياء الفكرة من جديد، كل المطلوب من حضرتك أن تبحث عن البردانين لتهاديهم بمرسال الدفء من المقاس الذى يكفى فراشا ينام فيه طفلان على الأقل.

أراك صديقى قد بدأت تفكر فى من حولك بحثا عمّن يستحق، صدقنى القائمة أكبر مما تتخيل، لا تغرّك البيوت المغلقة على أصحابها تحسبهم «متدفيين» من التعفف، ربما ليست لديك فكرة عن خمسة أشقاء يشتركون فى بطانية واحدة يتجاذبونها طوال الليل والمحظوظ منهم هو الذى يستطيع أن يشعر بالدفء لنصف ساعة كاملة، ربما ليست لديك فكرة عن الأمهات اللاتى تلتمسن الدفء فى التدثر بسجادة الصلاة، ربما لم ترَ من قبل بيوتا تختبئ من البرد فى كِليم نوبىّ خشن ثقيل ورخيص، ربما لم تسمع عن عائلة تتدفأ بأن تُحكِم إغلاق منافذ سيوف الهواء بورق الصحف والكراتين، ربما لم تمر بأسرة أشعلت النار فى خليط من الحطب والصحف القديمة أمام باب منزلها وجلست تحصل على شحنة من الدفء قبل أن تدخل لتنام بالداخل فى عراء قارس، ربما لم تعايش عائلة تبحث عن الدفء بالنوم متجاورة ملتصق بعضهم ببعض يخبئ هذا رأسه فى صدر الآخر ويخبئ هذا قدميه أسفل قدمى شقيقه.

إنها شهور صعبة قادمة من حق كثيرين أن نقف خلالها، إلى جوارهم ببطانية. ستتصدق بمال.. قد يحيّرهم فالالتزامات كثيرة وقد يفضلون تحمل البرد على تحمل جوع الأطفال مثلا. ستتصدق بطعام.. ولكن هل يحلو الطعام دون أن تسرق بعده ساعة نوم تحت البطانية؟ قد تتصدق بتكلفة العلاج، لكن صدقنى الوقاية خير منه.

هناك شخص مع كل «تقليبة» له فى الفراش سيدعو لك، فى كل مرة يسحب طرفَى البطانية ويشبكهما أسفل ظهره ليحكم التفافه بها سيدعو لك، فى كل مرة يعود فيها إلى المنزل هربا من برد الشارع القارس فيخلع حذاءه ويلتفّ بالبطانية ويستعيد توازنه كإنسان سيدعو لك، فى كل مرة تجلس الجدة تحت البطانية وتجمع حولها أحفادها تقصّ عليهم حواديت حتى يناموا باستغراق، فى كل مرة يشتاق فيها زوج لملاقاة زوجته بحميمية دون أن يحول البرد بينهما وبين هذه السعادة المسروقة؛ لأنه لا يخشى أن يصاب بالتهاب رئوى، سيدعو لك، فى كل مرة تنام الأم فيها مطمئنة؛ لأن طفلها «متغطى كويس» ستدعو لك.

البطانية رخيصة لكن معناها عميق وأثرها لا يمكن وصفه فى كلمات، فأنت تعرفه جيدا، كل ما عليك أن تسحب واحدة لتغطى بها عائلة، من المؤكد أنك مثلى شخص كثير السيئات «هذه شيمة المفرطين فى الدفء أصحاب أكثر من بطانية ولحاف على فراشهم»، لذلك فأنت تمتلك فرصة ذهبية للتخلص من ماضيك القذر. أقول -والله أعلم- إن كل عمل مشين قد صدر عنك فى حياتك سيختفى مع كل مرة يصحو فيها طفل ويغادر موقعه تحت البطانية وقد احمّرت خدوده.

المصدر : جريدة التحرير

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.