عمر طاهر يكتب | خمسة عشر سببًا للتراجع عن تشجيع المكسيك

عمر طاهر يكتب | خمسة عشر سببًا للتراجع عن تشجيع المكسيك

عمر طاهر

يحاول الواحد إقناع نفسه أنه كبر وعليه أن يتابع مباريات كأس العالم كشخص يبحث عن متعة، تأمل المشهد بالعرض دون التوقف عند الحماس لفريق معين، خصوصا أنه لا أحد يمثلنا حقيقة فى المونديال باستثناء فريق الجزائر، الذى يستحق الدعم من أرضية صلة الرحم، ما عدا ذلك يجب أن لا يتأثر الواحد بهزيمة أو نصر، ولا يوجد فى البطولة من يستحق أن يرتفع ضغط الواحد تأثرا بنتائجه، أو أن تدفعه هزيمته إلى الانسحاب من «بى إن سبورت 1» والانتقال إلى محطة عفروتو لمتابعة فيلم تافه ينسى الواحد أحزانه.

 

كان هذا هو اتفاقى مع نفسى فى طريق العودة إلى المنزل بالديكودر، وكنت مقتنعا تماما بفكرة احترام السن، خصوصا أننى فى سن مبكرة لم أدخر رد فعل من أى نوع فى أثناء التشجيع، فلتتدرب على المنطقية والموضوعية والاستمتاع باللعبة الحلوة وتأمل التجربة بشكل إنسانى.

 

بعد شوط من مباراة الافتتاح لاحظت أن فريق كرواتيا يتعرض لظلم تحكيمى، فانهار كل ما أقنعت به نفسى، وبدأت رحلة الانفعال الممتعة، فلتذهب تلك الحكمة الكاذبة إلى الجحيم، ولتكن المتعة بحجم الأموال التى استهلكها جهاز البث، إلى الترقب إذن والعصبية والدعاء من القلب بحرقة لمهاجم كوستاريكا حتى يحرز هدفا يكسر به أنف الطلاينة المتكبرين، إلى التشجيع بعاطفة بحتة، منبعها أن الواحد يرتاح لطلة موردرتش لاعب كرواتيا، والشعور بالظلم الذى تعرض له مسعود أوزيل لاعب ألمانيا خلال مسيرته الاحترافية، والتشفى فى نيمار الطفل المعجزة، شبيه تاتا عامل الدليفرى فى سوبر ماركت العائلات، التشفى فيه بعد أن سرق الأضواء من ميسى.

 

لن تبدأ المباراة قبل أن أحدد الفريق الذى سأتحمل نتيجة تشجيعه عن جهل، هذا التشجيع العشوائى بمشاعره المزيفة أفضل كثيرا من الجلوس لمدة تسعين دقيقة بمشاعر صادقة تشبه طعام المستشفيات، المشكلة كانت فى الاختيار، كان الواحد يبحث عن أسباب حتى يجد واحدا مقنعا، أوروجواى تلاعب إنجلترا، ابن شقيقتى يشجع ليفربول بجنون، وسواريز لاعب أوروجواى هو نجم ليفربول الأول، فليكن الحماس مشتعلا حتى يخطف الأوروجواى هدف الفوز فى الدقائق الأخيرة، أحد الحاضرين يقول إنه أوفسايد، أقف لأقدم له درسا فى علوم التسلل بحماس حتى يقتنع أن الهدف صحيح.

 

انصر يا رب المكسيك على البرازيل، سحقا لغرورك يا نيمار، المكسيك قريبة من الفوز بالفعل، بعد قليل يتضامن الواحد مع الجمهور صاحب الأرض الذى يجلس مستكينا لا حول له ولا قوة، بينما جمهور المكسيك يغرق فى الزيطة، تحولت سريعا لتشجيع البرازيل، فلا يصح أن تكون الهزيمة جزاء الدولة التى أحسنت احتضان هذه المتعة، ولا بد من معاقبة المكسيك على قلة ذوق جمهورها، وبمواصلة التدقيق توصل الواحد إلى أسباب أخرى مختلقة تجعله مقتنعا بتغيير وجهة نظره.

 

ثم تنوعت أسباب التشجيع لباقى الفرق.. هذا فريق به لاعب أحبه فلأشجعه، وهذا فريق أحترم تاريخ مدربه، وآخر أشجعه فى سياق دعم دول العالم الثالث فى صراعه مع العالم المتقدم، وهذا فريق من بلد أخرج أديبا كبيرا فى حجم ماركيز، وهذا فريق من بلد أعلن الحداد شهرا بعد انهيار مبنى ملجأ فوق أطفاله، وهذا فريق كان حماسه ساعة عزف السلام الوطنى لبلده ملهما وحماسيا، وهكذا تسير الأمور منذ بدء البطولة. كانت الحكمة هى الهدف فى البداية، ثم سرعان ما أصبح الهدف هو البحث عن المتعة الصبيانية الطائشة، هذه هى كرة القدم، من يُرِد الحكمة فعليه أن يتابع ماتشات التنس على «بى إن 6».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.