عمر طاهر يكتب | زمن التسجيلات الجميل

عمر طاهر يكتب | زمن التسجيلات الجميل

عمر طاهر

الضابط الصغير الذى حمل إلى السادات عام 71، أشرطة تسجيل تكشف المؤامرة التى تحاك ضده، كان نقطة تحول فى تاريخ مصر، فلولاه -كأداة لتنفيذ الإرادة الإلهية- لانتهى السادات مبكرا ولتغير مستقبل مصر شكلا ومضمونا. كانت شخصية هذا الضابط الشاب تشغلنى كثيرا، وعندما حانت فرصة ما لمقابلته منذ عدة سنوات تمسكت بها لإجراء حوار صحفى معه. فى البداية لم يكن متحمسا للفكرة، بعد إلحاح منى وشروط قلقة منه، على رأسها أن تكون له حرية اختيار الأسئلة التى يجيب عنها، سمح لى هذا الضابط الشاب -أصبح فى ما بعد اللواء طه زكى- أن أزوره فى منزله فى الدقى، كان فى كامل أناقته فى بيت بسيط ولم تفارق المسبحة يده طوال جلستنا.

كضابط جديد فى المباحث العامة -أمن الدولة لاحقا- تسلم عمله مع آخرين لمراقبة تليفونات الشخصيات المعارضة، يتم تفريغ المكالمات فى تقرير، وتُسلم من مسؤول لآخر، حتى تستقر عند سامى شرف وزير شؤون رئاسة الجمهورية وقتها، ثم اتسعت القائمة التى تخضع للمراقبة، قال لى إنه أصيب بالمرض، وانتشرت الحساسية فى كل جسمه بسبب اضطراره إلى مراقبة مكالمات شخصيات عامة وفنانات، بما تتضمنه من أسرار عائلية وأمور لا يصح التنصت عليها أبدا، وأنه طلب من رئيس جهاز المباحث العامة أن يعفيه من هذه المهمة، ولكن رئيس الجهاز قال له «مستحيل.. أنت الآن لديك أسرار كثيرة وخطيرة لن تخرج بها من هذه الغرفة أبدا وستظل هنا».

بعد أن تولى السادات السلطة، كان واضحا أن الجميع يتآمر عليه، وكان شعار المؤامرة «3 أو 4 شهور ونشيله ونجيب اللى يستحق». كان السادات وحيدا تماما، فكل من حوله مشارك فى الأمر «نائب رئيس الجمهورية، ووزير الداخلية، ورئيس مجلس الأمة، ورئيس المخابرات، ووزير شؤون الرئاسة»، وكانوا على درجة من الثقة أنهم لم يأبهوا لموضوع مراقبة المكالمات، لأن الأمور كلها فى النهاية تصب عندهم. كان نائب الرئيس الجمهورية يتابع إن كان الجيش وقائده جاهزين للتنفيذ فى مقابل استعدادات وزير الداخلية لاعتقال السادات، إذا ما قاوم، أما وزير الإسكان فقد أعد خطة بديلة إذا ما فشل كل ما سبق، إذ قال فى أحد التسجيلات «هاخد السادات القلعة واضربه طلقتين وبعدين نقول إنه انتحر».

قلت لرئيسى المباشر إنه يجب علينا أن نبلغ رئيس الجمهورية، فقال «نحن مجرد موظفين، ولولا معرفتى الشخصية بك كنت سلمتك بنفسى». ندمت على مجاهرتى بالأمر، وعندما زادت حدة المؤامرة، قررت أن أنقل ما يحدث بنفسى للسادات، وكانت تلك مشكلة أخرى.

جربت كل الطرق لكنها كانت جميعا مسدودة أو ستقودنى فى النهاية إلى أحد المشاركين فى المؤامرة، إلى أن صادفت ضابطا هو زوج إحدى شقيقات السادات، فاستطاع أن يحدد لى موعدا. فى كل خطوة كان كل شخص يسألنى عن سبب طلب الزيارة، وكنت أرفض الإعلان، إلى أن وقفت أمام سكرتير السادات الشخصى، تكرر الطلب فتكرر الرفض، فقال لى: «الريس نايم»، فحملته المسؤولية: «الأمر يهم الريس ومصر كلها»، فطلب منى رقم تليفونى على أن يهاتفنى بأسماء مستعارة، لأن تليفون السكرتير نفسه تحت المراقبة.

بعد أيام اتصل والتقيت به عند كلية العلوم، وأخذنى فى سيارته الخاصة، ولم يكن معى أى شرائط، لأنها بعد التفريغ يتسلمها مدير المكتب ويحفظها فى «شانون» بأرقام سرية لا يعرفها غيره، دخلت على السادات فقال «إيه الموضوع؟»، حكيت له فقال: «لا أحب أن أظلم أحدا، ولو هاسمع الوشايات يبقى هاحط الناس كلها فى السجن.. هات الدليل على كلامك ونشوف».

خرجت من عند السادات وأنا فى غاية الاضطراب والتوتر، وفشلت فى تقييم مدى صحة ما قمت به، وما المصير بعد أن أصبح فشلى فى تقديم الأدلة أكيدا؟

نمت وذهبت إلى العمل فى اليوم التالى، فوجدت مدير المكتب يدخل علىّ قائلا إن خالته توفيت، وأنه سيأخذ إجازة لثلاثة أيام، لكنه لا بد أن ينصرف الآن لـ«يلحق الدفنة»، وطلب منى أن أغطى غيابه بأن أعطانى الرقم السرى لإخراج الشرائط فى حال طلبها رئيس الإدارة أو الوزير فى أى وقت، وهو أمر يحدث كثيرا، وضع كل شىء أمامى، وقال لى إنه سيغير الرقم السرى عند عودته، ثم انصرف وتركنى مذهولا من تدخل القدر.

أخرجت الشرائط التى تحمل تفاصيل المؤامرة، وهاتفت سكرتير الرئيس، فقابلنى واتجهنا إلى السادات، أحضر جهاز التسجيل، ففوجئنا أن الأشرطة لا تعمل، لأن التراك المستخدم فى تسجيلها يختلف عن تراك الأجهزة العادية، أحضرنا عدة أجهزة من عدة أماكن، لكنها لم تعمل أيضا، تذكرت جيهان السادات جهاز كاسيت يابانى صغير الحجم، كان قد أهداها أحدهم إياه، ولكن واجهتنا مشكلة فرق الحجم، فجلسنا جميعا وقسمنا الشرائط إلى أجزاء صغيرة، وبدأنا نستمع لها على أجزاء حتى الفجر.

بدا السادات مندهشا وصامتا طول الوقت، يبدو أنه كان يبحث عن مخرج، وبدا لأطراف المؤامرة أن هناك شيئا غير مفهوم يحدث، فقرروا اغتياله بيد أحد القناصة الذين تم تدريبهم خصيصا لهذه المهمة بشكل سرى فى نادى الرماية فى أثناء زيارة السادات لدمنهور، نقلت الخبر للسادات فألغى الزيارة فى اللحظة الأخيرة، ثم بدا واضحا بالنسبة إليه أن ساعة الصفر حانت، فأقال وزير الداخلية أولا، ثم حدد إقامة الباقين ثم أعلن ثورة التصحيح.

عن المقابل الذى تقاضاه الضابط الشاب وقتها، قال: عرضت علىّ مكافأة مالية كبيرة، لكننى رفضتها، وقال السادات هذا الكلام بنفسه فى خطبته الشهيرة «الضابط الصغير الذى أحضر لى الشرائط رفض أى مكافأة من أى نوع»، لكننى حصلت على ترقية استثنائية من مقدم لعقيد، ثم عملت فى رئاسة الجمهورية إلى أن انتهت خدمتى. وكان آخر لقاء مع السادات هنا فى منزلى، على هامش فرح ابنتى، بعدها انقطع التواصل بيننا حتى تم اغتياله.

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.