عمر طاهر يكتب | عمر خيرت وأشياء أخرى

عمر طاهر يكتب | عمر خيرت وأشياء أخرى

عمر طاهر

شاب أحضر لنفسه وخطيبته تذكرتين لحفل عمر خيرت، لحظات اللطافة التى صنعت من أجلها فترة الخطوبة، على الباب رجل الأمن يخبرهما أنهما لن يستطيعا حضور الحفل، لأن العريس لا يرتدى كرافتة. على جانبى مدخل باب المسرح الكبير كان هناك عديد من هؤلاء الكوبلز يفكرون فى حل للسهرة التى أفسدتها قوانين الأوبرا، نجوت من هذا الموقف، لأننى أصلا لم يسبق لى أن حصلت على تذكرة لحفل عمر خيرت، فهى تنفد فور فتح الشباك، حصلت اليوم على تذكرة هدية من شقيقتى مع تنبيه على موضوع الكرافتة التى استعرتها مربوطة من قريب لى. كنت أتمنى للثنائيات التى أفسدت الكرافتة سهرتهم ساعتين أفضل فى مكان ألطف، بينما عمر خيرت يدخل على الجمهور دخلة واحد من العائلة.

كان النصف الأول طاردا لواحد مثلى بأن اختارت الأوبرا أن تقدم السيمفونية الثالثة للموسيقار أبو بكر خيرت فى ذكراه، ساعة أو أكثر تُعزف موسيقى كلاسيكية لا تعبر عنى أبدا، ووقعها على شخصى -مع كامل احترامى للموسيقار الكبير- يشبه وقع محتوى مجلد «شخصية مصر» لجمال حمدان على روح الكابتن إبراهيم سعيد، كان لدىّ مشكلة حقيقة فى التصفيق للعازفين خلال هذه الفترة، فأنا أستعجل التصفيق لأقول للعازفين إنه «تمام، الرسالة وصلت، خلاص بقى.. خلاص»، كنت أترقب قفلات الجمل الموسيقية، لكن شتان بين ما تعوّد عليه الواحد من قفلات موسيقية لأغانى عبد الغنى السيد، وقفلات الكلاسيكيات. كانت المزيكا تخفت تماما فأصفق، أصفق وحدى، فالوصلة لم تنتهِ، وهناك عزف منفرد يأتى من بعيد عبارة عن نقر على أوتار الكمان يمهد لدخول صارخ، ينظر لى رواد الحفل نظرة تأفف، فى مرة كنت متأكدا أن الموسيقى توقفت تماما فصفقت، فأمال الشخص الجالس أمامى رأسه إلى الخلف قائلا «لسه.. لسه».

عمر خيرت كان أول عزف منفرد فى حياة الواحد، لم تشهد الطفولة حرصا على سماع موسيقى مجردة إلا مع مقطوعة «قضية عم أحمد»، التى نجحت أكثر من عم أحمد نفسه، ومن يومها وهو يحتل مساحات جديدة فى وجدان الواحد، كنت أظنها مساحات شاسعة إلى أن اكتشفت أن فقرة عمر خيرت كلها بكل ما عزفه فيها لم تستغرق سوى خمسين دقيقة، إذا استثنينا المقطوعات التى ألح الجمهور على سماعها مرة أخرى، كل هذا الحضور لعمر خيرت «مايكملش ساعة على بعضها»، هذا هو نصيب الرجل من سنوات عمرى.. ساعة. هناك من قضى فى حياة الواحد أعواما طويلة وخرج دون أثر يُذكر، لكن ساعة واحدة من هذا الرجل جعلت الواحد يسترجع شريط حياته مرة بالضحك، ومرة بالشجن، ومرة بالانبهار، لدرجة أننى شممت داخل المسرح رائحة طلاء الأظافر الحادة التى لصقت بها شريط «قضية عم أحمد»، عندما انقطع داخل الكاسيت منذ خمسة وعشرين عاما، ما كل هذا السحر؟!

تفتحت المسام كلها على يد خيرت، خرجت من المسرح أتمشى بلا هدف إلى أن شعرت بالجوع، فطلبت كميات من الكبدة والسجق تسمح لروحى المحلقة بعيدا بأن تعود إلى الأرض مجددا، كنت أتناول طعامى وموسيقى خيرت تطن فى أذنى بقوة، وكنت أحاول طول الوقت أن أحبس دموعى، ولم أعرف بالضبط إن كانت دموع الموسيقى التى تغلغلت فى روحى، أم أنها دموع الشطة الزائدة فى السجق الإسكندرانى.

المصدر:الدستور الاصلى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.