عمر طاهر يكتب: كيف كان القُرَّاء سيعلِّقون على مقالات الحكيم وإدريس ومصطفى أمين

عمر طاهر يكتب: كيف كان القُرَّاء سيعلِّقون على مقالات الحكيم وإدريس ومصطفى أمين

عمر طاهر

أعتقد أن زمن (الكاتب الكبير) قد انتهى بظهور تقنية مرافقة لمقال الكاتب اسمها (أضف تعليقًا)، تلك التقنية التى بدأت بمحبة وآمال عريضة وانتهت بأن تظهر دائمًا مرفقة بجملة (التعليقات الواردة مسؤولية أصحابها ولا تعبِّر عن موقع الجريدة).

(الكاتب الكبير) مرادفة فى زمن كان الكاتب فيه أقرب لـ(الأم) التى تقدِّم بعناية وإخلاص المتاح من الطعام لأبنائها، فيتم استقباله بتقدير تام حتى إن كان (ملحه زيادة) فى بعض الأحيان، أما الآن فالكاتب أقرب إلى صاحب عربية كبدة يقف الزبون إلى جواره كتفًا بكتف يراقبه ويعدِّل عليه ويغادره وهو يصب عليه تشكيلة مختلفة من اللعنات.

كان مصطفى أمين سيراجع نفسه قبل أن يكتب سنة 1942: «متأكدون أن زعيم المعارضة فى مجلس النواب سيكون واحدًا من اثنين، عبد الرحمن عزام باشا، أو الأستاذ حسن البنا رئيس جمعية الإخوان المسلمين، وهو شخصية سياسية جديدة، ويقدِّر المراقبون أنه سيكتسح مدينة الإسماعيلية، فأهالى المدينة يعتقدون أن ترشيحه مسألة كرامة لهم، وهو خطيب مُفوَّه يتزعَّم دعوة دينية إصلاحية، ونتنبَّأ له بأنه سيشق طريقه بسرعة إلى الصفوف الأولى»، فى زمن آخر كان أمين يقرأ الآن تعليق قارئ يتفنَّن فى وصف أمين بأنه (خلايا نائمة) و(يا مصطفى بك.. لقد سقطت من نظرى).

أما أحمد بهاء الدين الذى كتب فى أعقاب هزيمة يونيو: «إن الصراع بين العرب وإسرائيل هو فى الأساس صراع حضارى وليس صراعًا عسكريًّا»، فقد كان سيحسب حسابًا للمواطن المتحمِّس الذى سيقرأ رؤية بهاء الدين باعتبارها تقليلًا من القوة العسكرية لمصر ويصحب تلك القراءة بتعليق (بيادة أصغر عسكرى فى الجيش برقبتك يا شيوعى)، ولكن غياب مثل هذا النوع من القراءات المختلَّة شجَّع بهاء الدين على أن يكون أكثر جرأة ويطلب بعد النكسة معالجة الأمر بفتح الباب أمام الحريات وتوفير ضمانات كفيلة بعدم التراجع عنها واعتبار المظاهرات التى خرجت بعد النكسة تعبيرًا مشروعًا عن إرادة شعبية لإزالة الفساد وضرورة التغيير بدلًا من أن يعتبرها النظام تعبيرًا عن القلة المنحرفة، غياب تقنية (أضف تعليقًا) وقتها حرم بهاء الدين من تعليقات (منكوا لله خربتوا البلد، كفاية بقى يا خمورجى يا شاذ، هذا زمن الرويبضة).

توفيق الحكيم كان سيواجه تعليقات من نوع آخر بعدما كتب فى 1973 عندما راجع موقفه وقال إنه نادم على سيره خلف الثورة دون وعى، قائلًا «العجيب أن شخصًا مثلى محسوبًا على البلد هو من أهل الفكر قد أدركته الثورة وهو فى كهولته يمكن أن ينساق أيضًا خلف الحماس العاطفى، ولا يخطر لى أن أفكِّر فى حقيقة هذه الصورة التى كانت تصنع لنا، كانت الثقة فى ما يبدو قد شلَّت التفكير، سحرونا ببريق آمال كنا نتطلَّع إليها من زمن بعيد، وأسكرونا بخمرة مكاسب وأمجاد، فسكرنا حتى غاب عنا الوعى»، كانت النخبة ستستلمه عبر مساحة التعليقات كضحية تستحق (يا خسارة كنت باحترمك، الرموز بتنهار، خاف على آخرتك يا منافق، ليه مصر تموت وأنت ابن (و..)، اتكشفت يا أبو كاب).

نجا يوسف إدريس من تكفير القراء بعدما كتب عن أحد الدعاة (يتمتع بكل خصال راسبوتين المسلم.. قدرة على إقناع الجماهير البسيطة.. وقدرة على التمثيل بالذراعين وتعبيرات الوجه، على الغرم من أنه يملك قدرات أى ممثل نصف موهوب)، لكنه للطرافة لم ينج من تعليق وزير الثقافة وقتها (عبد الحميد رضوان) على مقال لإدريس انتقد فيه عجز الدولة الثقافى، فرد الوزير فى مقال نشرته «الأهرام» قال فيه نصًّا «إدريس هذا المخدور (بيضرب مخدرات يعنى)، هذا الإدريس هذا المجوّف الفكرى – الغرور القاتل ينهش فى سعار مجنون نفسه المريضة، قلمه المسعور حاش لله أن يكون هذا الإدريس من أبنائك ورأبابك يا كنانة الله، المفكر البللورى».. وختم مقاله بقوله «اللى اختشوا ماتوا»، بالمناسبة حكمت المحكمة للدكتور إدريس بتعويض 20 ألف جنيه ونشر اعتذار رسمى، وقد كان.

فات كبار الكتاب متعة ما، ولا أحد يعرف بالضبط كيف كانوا سيتلقون هذه التعليقات، وكيف كانت ستؤثِّر فى كتابتهم أو لغتهم أو جرأتهم فى طرح الأفكار، شخص واحد على الرغم من سيرته الشخصية التى تصفه بالعصبية والخلق الضيّق، فإنه قال فى النقد كلامًا مهمًّا، كان بيرم التونسى يؤمن بأن (النقد امتداد للنبوّة، ولولا النقاد لهلك الناس ولطغى الباطل على الحق ولامتطى الأراذل ظهور الأفاضل، وبقدر ما يخفت صوت الناقد يرتفع صوت الدجال)، كان هذا رأى الشاعر الكبير، لكن الرهان على عقلية الناقد، فمن المؤكد مثلًا أن الزعيم مصطفى كامل قبل أن يتشملل ويهاجم الاحتلال والقصر فى مقاله بجريدة «اللواء» ربما كان سيتراجع إذا عمل حساب القارئ الذى ينعم بالاستقرار فى ظل الاحتلال والذى سيعلِّق على مقاله، قائلًا (اخرس يا كلب طلعت حرب).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.