عمر طاهر يكتب | لقد هرمنا يا بيبيتو

عمر طاهر يكتب | لقد هرمنا يا بيبيتو

عمر طاهر

الجزء الأكبر من متعة متابعة ماتشات كرة القدم يكمن فى أنك تستطيع أن تتخيل نفسك مكان لاعب أو أكثر من الموجودين أمامك، أنت تستطيع أن تطير فى الهواء برشاقة أكبر للإمساك بالعرضية، أو تمتلك حيلة عجيبة لتمرير الكرة من بين ساقى الحارس فى انفراد غادر. العلاقة طردية بين قوة هذا الخيال وسنك لحظة الخيال، فكلما كنت صغيرًا كانت لديك فرصة أكبر لتحويل هذا الخيال إلى حقيقة، فيومًا ما ستكبر وتأخذ مكان هذا اللاعب، وإن لم يحدث فعلى الأقل لديك ملاعب موازية فى الشارع، على الأقل تستطيع بلياقتك المكتملة أن تثبت لنفسك أنك أكثر مهارة.

كلما كانت سنك أصغر من متوسط أعمار اللاعبين على الشاشة كانت المشاهدة أكثر إمتاعًا، لا غضاضة فى أن ترى لاعبًا فى عمر والدك أو خالك أسطورة تعاملها كمثل أعلى، لا مانع من اختيار اسم هذا الأسطورة ليكون اسمك الثانى، الذى تحب أن يناديك به الناس فى الملعب، ثم فى بير سلم العمارة (علشان تنزل السبت).

أنا شخصيا كنت صغيرًا بما يكفى ليجعلنى أرى مارادونا وبيبيتو عملاقين.

ثم يحدث تحوُّلٌ ما عندما يصبح متوسط عمر اللاعبين فى نفس عمرك، لقد فاتت فرصة أن تأخذ مكان أحد فى الملعب الحقيقى، ولم يتبق لديك سوى دقائق فى ماتشات هزلية فى نهاية الأسبوع تقف فى نهاية بعضها على حواف كل أنواع الشد العضلى الممكن، أنت فى هذه المرحلة تتابع اللاعبين كأنك تراقب زمايلك فى العمل، خليط من المتعة والامتعاض، متعة يشوبها فرق الحظوظ الذى جعل هذا الـ(ماعندوش فكرة) محبوبًا جماهيريًّا ويحظى بشهرة ضاعت منك كل السبل إليها.

عندما بدأ الواحد يتابع لعيبة من نفس سنه (أحمد حسن وأبو تريكة وحازم إمام الكبير) بدأ التشويش على جنون التشجيع، فى هذه اللحظات تختلط الكرة بمقارنة أحوالك الشخصية بأحوال ناس من جيلك، ما الذى حققه كل واحد منكم، تتابع الكرة وأنت مشغول بـ«إن كانوا قد تزوجوا وعندهم كام عيل، وما نوع السيارة التى يستقلونها وأين يسكنون؟». إذا كنت طفلا وقال لك أحدهم يا تريكة ستشعر بنشوةٍ ما، لكن فى هذه السن عندما يقول لك أحدهم إيه يا أبو تريكة، فهناك سخريةٌ ما عليك أن تعرف السبب فيها.

ثم يحدث أن يتيه المعلق فخرًا بـ(نيمار) مواليد منتصف التسعينيات، تلك الفترة التى بينما يتعرض نيمار فيها كل ساعتين إلى مسح مؤخرته بعدما كنت أنت كبيرًا ومهووسا بما يكفى للسخرية من مؤخرات العابرين والعابرات فى الشارع، أنت الآن بعيد تماما عن الملاعب، وعليك أن تتابع أطفالا فى عمر أولاد أختك وأن تتحمل مديح العالم لهم، لكن من حقك أن تثور وتغضب وتعتبرها إهانة كبيرة إذا ما قارن المعلق بين (نيمار) و(روماريو.. بطلك القديم)، أو بين ميسى ومارادونا الذى طيَّر منك النوم وأنت فى سن المراهقة، لقد انتهت الأساطير بالنسبة إليك عند جيل (بيبيتو)، والعيال اللى فى سن نيمار فى العمارة عندك هم الذين ينظرون لك بإعجاب وتقدير، فكيف ينسحق المذيع أمام هذه العيال ويجرؤ على مقارنتها بالعمالقة؟ أو على الأقل هكذا تشعر على هامش متابعة المباراة، وجيله لعيبة موهوبة على أقصى تقدير، لكن ماحدش يجيب سيرة العمالقة، وإذا كان نداء أحدهم لك بـ(إيه يا تريكة) به سخرية ما، فمن حقك إذا ما ناداك أحدهم بـ«إيه يا نيمار» أن تفشخه تماما.

هل يعنى هذا أن جيلى يتابع الماتشات وهو (منفسن)؟ بالعكس، جيلى لا يزال يجد لنفسه عمالقة أكبر منه سنًّا وتجربة ومرمطة فى الحياة، يتابعهم بإعجاب وتقدير، وهم المدربون.

فى هذه المرحلة العمرية الأساطير بالنسبة إلينا هم ديل بوسكى وجوزيه مورينيو وجوارديولا وسكولارى وهيريرا ولويس فان جال، المتعة الآن أن تتخيل نفسك مكان أحدهم، ولديك فرصة لتحويل هذا الخيال إلى حقيقة، فيومًا ما ستكبر وتأخذ مكان هذا المدير الفنى إن لم يكن فى الملعب فعلى الأقل فى الشركة، حيث سيكون تحت يدك ساعتها شوية عيال من سن نيمار، تستطيع أن تحرز بهم انتصارات لا أحد يعرف سرها مثلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.