عمر طاهر يكتب| موسيقار الأفيال

عمر طاهر

ربنا يقدرنا ونعرف نخلص المقال ده على خير، لأنه لا شىء فى حياة الكاتب أسوأ من الالتزام بمقال يومى فى ظروف مثل التى نعيشها، فهو أمر يرغمك على متابعة كل تفاصيل الحياة من حولك، ويا لَها من مهمة بائسة والأكثر بؤسًا أنه يجعلك (تمثل) أنك مهتم بما يجرى، بينما من المفترض أن تهتم بما لا يجرى.

كتابة دستور ينظم البلد سياسيا ويضع بالضبط حدود الأسلاك الشائكة لكل مؤسسة داخله هو الذى يجرى، لكن ما لا يجرى أننا لم نتوقف لثانية واحدة منذ يناير لكتابة دستور ينظم البشر قبل المؤسسات. ما يجرى أنك قررت معاقبة رسام الجرافيتى بالسجن أربع سنوات، ما لا يجرى أنك لم تفكر ولو للحظة من الاستفادة من رسام الجرافيتى قبل التنكيل به. ما يجرى أنك تقنن التظاهرات، ما لا يجرى أنك لم تستخدم السياسة لمعالجة أسباب التظاهر، ما يجرى أن الزمالك فاز بالكأس، ما لا يجرى هو عدم تحديد الجناة فى مقتل عمرو حسين مشجع الزمالك الذى أفقده حماسه للحظة انتصار حياته إلى الأبد. ما يجرى أن السخرية من ترشح سامى عنان لانتخابات الرئاسة، ما لا يجرى أن أحدا لم يتأمل جرأة الرجل فى أن يصارح بترشحه فى الوقت الذى يخفى كثيرون فيها رغبتهم مجاملة للسيسى وانتظارًا لقراره (قبل أن يفرح عنان بهذا الكلام أحب أقول إن الجرأة مش كل حاجة)، الميزة أن جرأته عرّت كثيرين ما زالوا يحسبون الحسابات، وليس بعيدا أن يكون عنان صاحب حضور قوى فى هذه المعركة فهو شخص تتوافر فيه كل المواصفات التى يفضلها الشعب المصرى فى من ينتخبه للرئاسة، فهو مرشح غير متوقع وغير محبوب وعليه تحفظات وموضع للسخرية العارمة التى ملأت الدنيا خلال الأسبوع الماضى (راجع مواصفات قطبَى إعادة انتخابات الرئاسة السابقة)، جرأة عنان التى تحسب له تحسب علينا، فنحن لم نتغير لدرجة أن يرى الرجل أنه يستحق الترشح للرئاسة، فالصفقات ما زالت قائمة فى مكانٍ ما فى البلد والدم لم يعد مؤثرًا بعد أن أصبح القتلى منذ يناير حتى اليوم مجرد أرقام فى شريط الأخبار، مثله مثل أرقام أسعار الدولار ودرجات الحرارة، تثير قدرًا ضئيلا من اهتمام شريحة معينة، ولو كان إمبراطور اليابان يعلم أن المنحة التى قدمها للحكومة المصرية لبناء دار أوبرا ستنتهى بمايسترو كبير يقود أوركسترا عظيمة لعَزَف رائعة موسيقار الأفيال مصطفى كامل (تسلم الأيادى) ولكان وجّه المنحة لبناء مستشفى أمراض عقلية على أحدث طراز، لكنه لم يكن مشغولا بالنهايات، وهذا الذى جرى، أما ما لا يجرى فهو أننا لم نفكر يومًا ما فى أن اللى بدايته «إنتوا نور عينينا» طبيعى تكون نهايته «نساؤنا حبلى بنجمك».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.