عمر طاهر يكتب | مولاى «1»

عمر طاهر يكتب | مولاى «1»

عمر طاهر

الراديو معلَّق على حائط المطبخ ويرقد الواحد منهكًا فى فراشه من أثر الصيام على صبىّ فى لهيب رمضان فى الصعيد فى منتصف يوليو، هانت.. ذلك ما يقوله الخليط المنبعث من المطبخ، رائحة الطعام وصوت المنشد القادم من الراديو يقول بصوت يحطِّم الزجاج لا يستطيع الصبى أن يميِّز من كلماته سوى صيحة «الله.. الله» مع إيقاع الدفوف «دوم تراك تاك تاك دوم.. تراك تاك.. دوم دوم دوم»، جرس إنذار يحيى العروق التى تيبَّست بفعل العطش ويدعو غدد اللعاب لأن «تقوم تسخَّن».

اسمه الشيخ سيد النقشبندى، استقر فى الوجدان كونه أحد أضلاع مثلث رمضان، صوت الشعراوى وأذان الشيخ محمد رفعت وتواشيحه التى تسبق المغرب فى الراديو أو فى كليبات تليفزيونية تحتوى على مناظر طبيعية للسحاب يجرى أو أسماك ملوّنة تشق الماء أو العنكبوت وقد نسج بيته بين وردتين ملونتين «الله.. الله.. لا إله إلا الله»، لم يكن هناك مدخل آخر للنقشبندى فى حياة الصبى بقية شهور السنة، بل إن صوته إذا ما جاء مصادفة خارج رمضان كان يبدو كأن ثمة نشازًا ما فى وعى هذا الصبى.

كنت صبيًّا وصرت شابًّا يفتش كل فترة عن تراث الغناء فى محلات صوت القاهرة، كلما توفَّر المال كنت أدخل محلًّا أفتح الكتالوج أطلب أعمال الكبار الذين أعرفهم اسمًا، لكن لا مساحة للتعرُّف على أعمالهم، حيث لا إنترنت بعد، وفى إحدى المرات بينما أتنقَّل بين صفحات الكتالوج أطلّت أغنية غريبة، تسمَّرت مكانى أستمع بكل كيانى، ثمة نور ساطع يطل من مكان ما، شخص يغنى ويقشر القلب كثمرة بندق ويزيل قساوةً ما تحيط بالثمرة، كان يقول «تحلو مرارة عيش فى رضاك.. ولا أطيق سخطًا على عيش من الرغد» بينما الكورال خلفه يضبط الإيقاع بترديد جملة واحدة «مولاى إنى ببابك» لا يتوقَّف عنها مهما حلق المنشد بصوته بعيدًا عن المقامات واللحن والإيقاع، أذكر جيدًا أننى أردت أن أسأل البائع عن اسم المغنى، لكننى وجدتنى غير قادر على ابتلاع ريقى وتعثَّرت الكلمات بشدة قبل أن يخرج السؤال. «الشيخ سيد النقشبندى» قال البائع، لم يكن شريط الكاسيت يحمل صورة للشيخ سيد، ولكن كان منظرًا طبيعيًّا وبالداخل مكتوب أن الأغنية «كلمات: عبد الفتاح مصطفى، وألحان: بليغ حمدى»، خرجت عائدًا إلى بيتى سيرًا على الأقدام والصوت لم يفارقنى بعد، وصلت فنمت فى فراشى بملابسى كما لم أنم من قبل، منهكًا أشعر بغربة كبيرة وونس عظيم، فرحة ما لكنها أثقل كثيرًا من أن تحيط روحك بها، ثمة عاصفة اقتلعت البيت وتركتك فى العراء، كان البيت هشًّا لأنه بلا جذور وكانت علامات الاستفهام الوجودية شروخًا تنتشر فى كل جدرانه، ثم جاء النقشبندى دون مقدمات كقرار إزالة هو فى حد ذاته مناسبة لأن تبنى بيتك من جديد.

فى الطريق إلى طنطا حيث البلد الذى خرج منه النقشبندى كنت أسأل نفسى «رايح فين؟».

«يتبع»

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الدستور الاصلى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.