عمر طاهر يكتب | 10 ثقوب فى بدلة أمين الشرطة

عمر طاهر يكتب | 10 ثقوب فى بدلة أمين الشرطة

عمر طاهر

«1» لا يخلو تاريخ أمناء الشرطة فى مصر من سجل شرف يحفظ أسماء من استُشهدوا أو حفظوا الأمانة أو كانوا خير داعم للمواطنين فى لحظات الخطر، سجل لا يمكن الاستهانة به، لكنه يبدو الاستثناء فى المنظومة، فضلت أن أشير إليه كمفتتح للكلام لتبرئة ساحة من يقوم بعمله بإخلاص وشجاعة، حتى لا يجرف كلامى الصالح بالطالح فى تعميم أعمى، تحية إلى الصالح الشريف، ولننحِّه جانبًا حتى تسهل قراءة ثغرات أفرزت النموذج الطالح. «2» تتعامل الأغلبية مع سلطة الأمين كأنه ضابط، تتعامى عن الفرق بينهما مرة عن جهل، ومرة نفاقًا لتسيير المراكب، تراكم هذا التماهى بين السلطتين منح، بالوقت، كيان أمين الشرطة أكبر من حجمه القانونى والسلطوى، تحولت السلطة الممنوحة من الناس لأمين الشرطة إلى حق مكتسب، لا يتنازل عنه الأمين، يستفزه أن تلفت نظره إلى حقيقة حجمه، ويعتبرها إهانة، تجعله أكثر عدوانية، وتفتح له الباب للتعسف فى استخدام سلطته المحدودة لينسى الإهانة. «3» السلطة التى يحصل عليها أى خريج شاب تمر بمراحل البحث عن الوظيفة، ثم التثبيت، ثم إثبات الكفاءة، ثم سلطة محدودة تكبر بالوقت، وهو أمر يحتاج إلى أكثر من خمس سنوات بعد التخرج، لكن ضابط الشرطة يحصل على السلطة كاملة بعد أربع سنوات دراسة، يصبح بعدها صاحب أمر ونهى فى المجتمع على الرغم من كونه ما زال فى هذه السن المبكرة، يحتفظ بداخله ببواقى فترة المراهقة، بكل أمراضها. أمين الشرطة يحصل على هذه السلطة بعد عامين فقط، حيث أمراض المراهقة ما زالت طازجة، ومعها تصبح السلطة الزائدة مثل المصروف الزائد.. مفسدة. «4» يعيش أمين الشرطة بين قوسين، قوس البسطاء الذين يرون فيه الحكومة كاملة، ويشبعونه تعظيما وتمجيدًا، لا بد أنه مربك، هذا الارتباك يتدهور عندما يفاجأ الأمين بالقوس الآخر، وهو حقيقة وضعه أمام ضابط شرطة حقيقى أو مواطن يعرف حقوقه جيدًا، هذه المرمطة المجتمعية تفسد الأعصاب، إذ تدخل بالشخص منطقة «أنا مش عارفنى»، التى يترتب عليها خللٌ ما. «5» إلحاقًا بالنقطة السابقة يتحول ضابط الشرطة إلى عقدة فى حياة الأمين، وتتراكم بداخله الندية من منطلق إيمانه بأن الضابط التحق بالكلية عن طريق رشوة، ولا يؤمنون أن دراسة «الحقوق» سبب كافٍ لصنع هذا الفرق، خصوصًا إننا عارفين اللى فيها بالنسبة لموضوع الحقوق والالتزام بيها، كبر هذا الشعور بعد الثورة، فانكشف المستور فى هذه العلاقة، فبتنا نقرأ عن حوادث تعذيب أمين شرطة على يد ضابط مباحث، أو إضراب أمناء الشرطة للقبض على زميل تحرش بسائحة فى المطار، أو توسط كبار القيادات للصلح بين ضابط وأمين شرطة فى بنى سويف، أو قدرة أمناء الشرطة من الإسكندرية إلى أسيوط على غلق أبواب الأقسام بالجنازير، لأنهم أصحاب مطالب، من المؤكد أن هناك حالات لا يطلب فيها أمين الشرطة سوى الحفاظ على كرامته، فى مقابل ضباط شرطة، يلعبون على تأكيد الفرق بإذلال الأمناء، لكن هناك من أصبح الأمر بالنسبة إليه عقدة نفسية يدفع آخرون ثمنها. «6» الفساد كله يقع فى المسافة بين القيادة والشعب، تلك المسافة التى حفلت من قبل بمَن أسقط مبارك ثم مرسى، أمين الشرطة هو المسافة بين الضابط والمواطن، هو صاحب نظرية «تعالى كلِّم الباشا»، فى المسافة إلى الباشا يمكن حل جميع الأمور بتفاهمٍ ما، هذا التفاهم هو سلطة جديدة فى يد الأمين، لكنها سلطة فاسدة دون شك، وأسهم فى نموها بعض ضباط الشرطة أصحاب الكروش، الذين يجلسون فى التكييف على مكاتبهم أو تحت مظلة على الطريق السريع تاركين للأمناء ما يسمى بالـ«Dirty work». «7» الفساد فى كل مكان من الأطباء إلى أساتذة الجامعة إلى الصحفيين، وهناك من يلجأ إليه لتعويض الفارق بين دخله الحقيقى والصورة التى يجب أن يكون عليها كصاحب سلطة، والأمناء يشعرون بعجز فى دخلهم جعلهم فى إضرابهم الأخير يطالبون بزيادة أحد البدلات إلى 200%، والحصول على حافز مماثل لموظفى الحكومة، وهذه مطالب مشروعة لشرفاء المهنة، لكن هناك من لا يصبر على تحقيقها، فمظهر صاحب السلطة يحتاج إلى تمويل، حيث لا غنى عن الجاكيت الجلد، والنظارة الشمسية والسجائر الأجنبية (راجع مقال أمس عن ميكروباص أمين الشرطة). «8» عودة إلى الضباط وتكاسلهم، الذى منح الأمين أكبر من سلطته الطبيعية، فأمناء الشرطة فى كل قسم هم القائمون بمعظم العمل من كتابة المحاضر إلى التعامل مع المتهمين، هذا جعلهم يمتلكون خبرة أكبر بكل شىء، لا تندهش إذا قلت لك إن هذه الخبرة كثيرًا ما تنقذ ضباط الشرطة من كوارث ارتكبوها ولا يعرفون لها حلا، يصبح الأمين صاحب فضل على الضابط فيكسب المزيد من السلطة والحماية مقابل درجة أقل، نزلها الضابط فى عيون منقذه، وهكذا تزداد العلاقة تعقيدًا. «9» بعد الثورة سحب الشعب من «الداخلية» كلها سلطات غير شرعية، كانت فى يد أبنائها، هناك من تقبل الأمر بروح رياضية، واحترم العودة إلى ميزان القانون فى العلاقة مع الشعب، وهناك من رفض الأمر بضراوة، وبعضهم أمناء الشرطة. بمراجعة النقاط السابقة المؤسسة لخللٍ ما لن تندهش إذا طالعت على مدى العام الأخير جرائم استخدم فيها بعض الأمناء السلاح الميرى لقتل مواطن فى نزاع على ركن السيارة أو قطع أرض أو أولوية المرور أو خصومة قديمة تجددت، من ميت غمر إلى الإسكندرية إلى بورسعيد وإمبابة يمكنك العودة إلى «الوقائع» بسهولة. «10» يمكن تلخيص الكثير من الكلام فى واقعة نشرتها جريدة «الوطن» منذ أسابيع تكشف أن العلاقة استقرت بين بعض أمناء الشرطة والبسطاء على شكل يمنح الطرف الأول أمورًا كثيرة، موظف بالإدارة الزراعية بالمنيا أراد أن يتسلى على رواد كورنيش النيل بالتوقيف والتفتيش وتقليب ما فى جيوبهم، فلم يلجأ إلى البلطجة، لكنه قرر أن ينتحل صفة أمين شرطة. «11» تحية إلى النماذج الشريفة، ولنا كلام عنهم غدًا.. إن شاء الله.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الدستور الاصلى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.