عودة الطير المهاجر – قصة قصيرة لـ مجدي عزمي

أمام المرآة. يُحكِم شد رابطة عنقه المرتخية, ترتعش يده وهو يضع الوردة الذابلة في طية صدر البدلة, تحسس جيب جاكتته الداخلي، اطمان لصوت انكسار ثنايا الورق المطبق، اخرج الورقة من مظروف أصفر باهت، بسطها بين يداه، أخذ يحدث نفسه بأشياء.
يوم سفرك سألتك من في غربتك سوف يعقد لك رابطة عنقك ؟! كم تمنيت أن تعود سريعًا. لا تخف، لن أعنفك, كلنا ننتظرك، عد ولا تعر اهتماماً للشامتين, لا تأبه لنظرات الناس لا تندم، أدرك الضغوط التي دفعتك إلى ذلك, ماذا تظن أني فاعل بك؟ أني معاتبك؟ يا بني قلت لك ألف مرة “بلدك أفضل من غيرها” كنت دوماً اسمع ردودك التي لا إجابة لها، أعلم علم اليقين ان فقر الوطن غربة وغنى الغربة وطن, ولكن مهما بدت حلاوة الغُربة بعينيك، الا انك تركت لنا مذاقاً مريراً يشق حناجرنا، أمك توسلت إليك وحاولت ان تثنيك عن عزمك هذا، قلت لك “ابق معنا وسوف تتحسن الظروف” هناك حلول وبدائل أخرى غير الرحيل, لكني لا أملك أن أعدك بذلك.
لا تخش على أمتعتك, غرفتك مهيأة لاستقبالك, فراشك يهفو لنومك القلق, قمصانك الباقية تأبى أن تترك رائحتك, حقيبة لعبك القديمة لا زالت تحتل مكانها فوق صِوان ملابسك، صوتك يرن بكل أرجاء البيت, عطرك المفضل يطوف علينا كل ليلة, ويضع قبلة فوق الجبين.
يوم ميلادك. سجدت لله شاكراً, كنتُ أول من قبل جبينك ورتل الآيات والأذكار, وبعد أسبوع، صراخك كان أعلى من دقات (الهُون) وغناء الأطفال وهم يلتفون حول مهدك المزركش، ينظرون لعيناك المكتحلتان ويقبلون أكفك المحناه. دعوات أمك هي التي أرجعتك إلينا سريعاً وعدت لديارك لتبقى مع عشيرتك الأقربين، أختك تتشبث بدفتر صورك، وقد أبرأتك من وعدك، لا تريد ثوباً ايطالياً ولا عطراً فرنسياً، فقط تريدك أن تعود.
اليوم أصر أصدقائك على مصاحبتي لإستقبالك، ولكني رفضت بشدة, لأني أحق الناس بك, ولن أسمح أن يشاركني أحد في أول ضمة صدر بعد عودتك، لأنك أعز الأصحاب في زمن الصعاب, ألا تعلم أني أول أصحابك وحامل أسرارك؟ على فكرة “جيرانك ما بطلوش سؤال عنك”
كنت طير أردت الرحيل للشاطئ الآخر, ولكن أنهكك التعب, لم تقو جناحيك الصغيرين على السفر
سقط من يده الخطاب, انحنى وتناوله وكأنه يقرأه لأول مرة (تتقدم السلطات المصرية لكم بخالص العزاء, ونلتمس منكم الحضور باكراً لاستلام جثمان نجلكم)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.