غادة نبيل تكتب عن ديوان الشاعرة والتشكيلية سارة عابدين (علي حافتين معاً‮) بجريدة اخبار الأدب

d62e081e-671e-4576-894c-62da269d8cgfhbfghf76

كل هذا الركام من الأدب والفن علي مر العصور والثقافات‮ ‬يقول لنا أصحابه‮:” ‬أنا لست سعيداً‮ / ‬لست سعيدة‮ “. ‬هذا ـــ في الحقيقة كل ما هنالك ـــ وهذا‮ ‬يشملني‮ . ‬
طبعا لا نكتب ذ حصرياً‮  ‬لنقول ما نحس ونعتقده،‮ ‬وإنما لاكتشاف أغوار داخلنا‮ ‬،‮ ‬لما‮ ‬يمكن أن نؤمن به ونترك له أنفسنا‮ ‬،‮ ‬لما نحب أن نكونه حتي أننا نكتب بمعانٍ‮ ‬عدة‮ ” ‬ضد أفكارنا وطبيعتنا‮ ” ‬أحياناً‮ ‬،‮ ‬ليس فقط لدفع السماء أبعد إلي نقطة لا نراها ولا فقط ليبقي شيء منا‮ ‬،‮ ‬بل أوقاتاً‮ ‬للصمود في وجه الملل والانهيار‮ .. ‬فقط لذلك‮ . ‬
جاستون باشلار‮ ‬يري أن الفكرة الخيالية أو حلم اليقظة الكوني‮ ‬يفصلنا عن حلم اليقظة المتصل بمشروع‮ ( ‬ما‮) . ‬الأولي تضعنا في العالم وليس المجتمع‮ ‬،‮ ‬وعليه فهي‮ ” ‬تمتلك قدراً‮ ‬من الثبات أو الهدوء‮.. ‬تساعدنا علي الهروب من الزمن‮ .. ‬إنها حالة ذهنية فالشِعر‮ ‬يمدنا بوثائق لفينومنولجيا‮ ( ‬عِلْم الظواهر‮ ) ‬الروح‮ ” ‬وعليه فهو‮ ‬يري‮ “‬حلم اليقظة الشعري‮ ‬بمثابة حلم‮ ‬يقظة كوني‮ ‬يمنح الأنا لا أنا تنتمي إلي الأنا‮ : ‬لا أناي‮ ” ‬التي تحرر الروح وتلمس وحدتنا‮.‬
تقول سارة عابدين في إحدي قصائد ديوانها الأول‮ ” ‬علي حافتين معاً‮ ” ( ‬دار الدار‮ ): ” ‬حتي الحرية تتقيد بمدار محتوم‮ ‬،‮ ‬أستسلم عكس المتوقع مني فتبكي اللعنة نادمة لأني لم أمنحها نشوة الانتصار المحموم‮ ” ‬وبآخر قصائده تتطاوس‮ ” ‬فلأكتب إذن ما لم‮ ‬يُكتَب من قبل بثمانية وعشرين حرفاً‮ ” . ‬المسافة بين المقولتين‮  ‬تحيل إلي ما قصده باشلار بين ما‮ ‬يضعنا في المجتمع وما‮ ‬يساعدنا علي الهروب من الزمن‮ ‬،‮ ‬كما تتجلي‮  ‬في عنوان‮ ‬يُدشن لموقف برزخيّ‮ ” ‬علي حافتين معاً‮ ” ‬فكل مفردات عالمها الشعري من زوجية وأمومة هي مناطق مضادة لهوية صارت‮ ” ‬مسخاً‮ ” ‬كما تعبر الذات الشاعرة التي تعاين قدرها‮ ‬يومياً‮ ‬في تجليات الطقوس التي أودعت لها رموزاً‮ / ‬حقائق مثل الستارة ذات الورود الذهبية في قصيدة‮ ” ‬أكتب‮” ‬إذ تقول‮ : ” ‬لم تكن هي اختياري‮ / ‬أكره تلك الستائر الموغلة في العادية‮ ” ‬،‮ ‬لهذا ستطلب الذات الشاعرة من الله بعد دخولها الجنة العودة للدنيا لكن بلا محظورات علي المتع المرة الثانية وهو تجلٍ‮ ‬لحالة إبيقوية متواشجة مع الغضب عبر ديوان‮ ” ‬مضغوط‮ ” ‬ذ ثيماتياً‮  ‬بحساسية أنثوية‮ ( ‬ولو نقدية‮ ) ‬هائلة فيما تعبر الذات الشاعرة بأحد النصوص عن كونها‮ ” ‬عنصرية ضد الكتابة النسوية وضد نوال السعداوي‮ ” . ‬ما بين حس كونكريتي بامتداح المحسوسات والاشمئزاز منها تُسِّرب عابدين توحشها وغثيانها الذي‮ ‬يصعب وصفه بالوجودية بينما تخايلنا من البدء بازدرائها للتفلسف‮ .‬
الخشونة في الديوان ليست ـــ كما‮ ‬يبدو ــ بسبب اللغة ولا براديكالية رغبة الكاتبة في الصدم بكسر التابو الديني والاجتماعي‮.. ‬ثمة احتكاك‮ ‬غير مريح‮ ( ‬لمن ؟ ربما لي‮ ) ‬علي مستوي شعري لذات شاعرة تريد أن تنسكب وربما تتعجل الخروج من أرحام حالات وأزمنة‮ . ‬هذه حالة تتواءم مع نوع النبر الاعترافي للديوان الأول لدي كثيرين‮ ‬،‮ ‬أفلتت منها قصائد مميزة مثل‮ ” ‬ذكري‮” ‬و‮” ‬احتراق‮ ” ‬و‮” ‬موت دماغي‮ ” ‬و‮ ” ‬متوالية لا فرار منها‮ “‬التي مخزونها الشعري أعمق وأكثر انضباطاً‮ ‬من الناحية الفنية لكن كان العمل‮ ‬يحتاج تدقيقاً‮ ‬لغوياً‮ ‬أكبر بسبب صياغات جمل وورود بعض الأخطاء‮.  ‬
إن الرغبة في قول أشياء بكلام تصفه الشاعرة في النصوص بـ‮ ” ‬التافه جداً‮ ” ‬هي مُخادَعة لا نصدقها وتضعنا أمام سؤال‮ ‬يزدوج مع درجة شغفها بكسر التابو‮ : ‬هل‮ ‬يكفي هذا لكتابة ما لم‮ ‬يُكتَب من قبل بالأبجدية العربية‮،‮ ‬وهل استثمرت عابدين الطاقة القصوي لمشاعرها وتصوراتها بما‮ ‬يفيض أو‮ ‬يقصُر عن الطاقة المحتمَلة لشعريتها ؟‮. ‬الدواوين القادمة قد تحمل الإجابة‮.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.