فهمى هويدى يكتب | إسرائيل داعش حداثية

فهمى هويدى يكتب | إسرائيل داعش حداثية

فهمى-هويدى

الفظائع التى ترتكبها داعش بحق المخالفين. تكاد تكون صورة طبق الأصل من الفظائع التى ارتكبتها إسرائيل فى فلسطين فى مرحلة إقامة الدولة العبرية. وكما أن اسم المنظمة هو تجمع للأحرف الأولى لعبارة الدولة الإسلامية فى العراق والشام، فإن العصابات الصهيونية التى ظهرت فى فلسطين آنذاك لجأت إلى نفس الفكرة. فعصابة «الأرجون» هى اختصار للمنظمة العسكرية القومية فى أرض إسرائيل. وعصابة «ليحى» هى اختصار لعبارة المحاربون من أجل حرية إسرائيل.. إلخ. المهم أن الطرفين ــ داعش والعصابات المذكورة ــ تمسحا فى الدين ووظفه كل منهما لصالح مشروعه. الأولى رفعت راية لا إله إلا الله بدعوى استعادة الخلافة الإسلامية. والآخرون زعموا أن أرض فلسطين وهبها الله لشعبه المختار وادعوا أنهم يتطلعون لاستعادة وطنهم القومى. والطرفان لجآ إلى قتل كل من اعترض طريقهما واستخدما كل وسائل الترويع والتنكيل بحق المخالفين.. وكما طردت داعش المسيحيين والأكراد واليزيديين والعلويين، فإن العصابات الصهيونية لجأت إلى طرد أضعافهم من الفلسطينيين أصحاب الأرض، بعد أن قتلت وبقرت البطون وسممت الآبار والزروع والماشية، ولا تزال دولتهم تقتل الرافضين للاحتلال رغم مضى أكثر من 65 عاما على تأسيسها.
وكما أن العصابات الصهيونية استعانت فى تعزيز قدراتها العسكرية بالضباط اليهود الذين حاربوا مع الحلفاء فى الحرب العالمية الثانية، فإن داعش استعانت بضباط جيش صدام حسين فى زحفها على الأراضى العراقية وتقدمها صوب سوريا. وكما أن العصابات الصهيونية استفادت فى زحفها من ضعف الجيوش العربية وتواطئ بعض قادتها، ،فإن داعش استفادت أيضا من تدهور وانهيار الجيش العراقى ورتبت أمورها مع بعض رؤساء القبائل والعشائر العراقية.
الذين أسسوا إسرائيل قتلة استجلبوا من الخارج وكانوا ولا يزالون واجهة لأشواق بعض اليهود التى استثمرتها الأطماع الاستعمارية فى المنطقة، أما الذين أطلقوا داعش فقد استثمروا غضب ومظلومية أهل السنة فى العراق، ولم تعرف بعد القوى الأخرى التى استثمرت ذلك الغضب وأسهمت فى دفع داعش إلى الساحة. مع ذلك فالقدر الظاهر حتى الآن أن المشروع الصهيونى وقفت وراءه قوى دولية لها مخططاتها بعيدة المدى، فى حين أن مشروع داعش لا تقف وراءه سوى قوى إقليمية لم تتحدد أدوارها بعد.
وإذا كان التماثل حاصلا فى أوجه عدة.. وهو ينطبق بالدرجة الأولى على بدايات تأسيس الدولة العبرية التى تشابهت فيها الظروف مع بدايات تأسيس دولة داعش، إلا أن الأمر لا يخلو من تمايز بين الطرفين. فإذا كان مؤسسو داعش من أبناء المنطقة، فإن مؤسسى الدولة الإسرائيلية جميعا كانوا من الوافدين الذين قدموا من أوروبا بالدرجة الأولى. الأمر الذى يسوغ لنا أن نقول إن فكرة دولة إسرائيل ولدت فى الخارج وزرعت فى قلب العالم العربى. أما دولة الخلافة المذكورة فإنها استدعيت من عمق التاريخ حقا، لكنها خرجت من رحم الأرض العربية.
وإذا جاز لنا أن نقول إن الإسرائيليين اغتصبوا الوطن وأرادوا محو تاريخه وسرقة تراثه ــ بما فى ذلك أزياؤه وطعامه ــ كما سعوا إلى إقامة دولة جديدة وحديثة فى شكلها على الأقل، فإن داعش اغتصبت السلطة وليس الوطن، وأرادت إيقاف عجلة التاريخ، بل وإعادته قرونا إلى الوراء. وفى حين أن إسرائيل تجملت واستفادت من علاقاتها الدولية. والإنجازات العلمية التى حققتها. حتى اعترف بها كدولة عضو فى الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية ــ كما أنها اخترقت الساحة الإعلامية ووظفت أبواقها ومنابرها لصالحها، فإن داعش فعلت العكس على طول الخط. إذ قدمت وجها قبيحا ودميما لم يبق لها على صديق، وتصرفت بقسوة وفظاظة نفرت منها الجميع، بحيث تحولت إلى نموذج منفر ومخيف يشوه الإسلام، ولا يبقى له على فضيلة. لذلك لم يختلف أحد ــ حتى فى الأمم المتحدة ــ على اعتبارها نظاما شاذا ومستهجنا لا يستحق الانتماء إلى الأسرة الدولية، وإنما ينبغى أن يلاحق ويحاسب على فظائعه وجرائمه.
أدرى أن المتطرفين اليهود الموجودين فى إسرائيل الآن لا يختلفون كثيرا عن داعش سواء فى تخلف أفكارهم أو فى كراهيتهم الشديدة «للأغيار». ولحاخاماتهم فتاوى تعتبر العرب جنسا أدنى وتجيز قتل أطفالهم وسبى نسائهم. والمستوطنون الذين اختطفوا الشاب الفلسطينى محمد أبو خضير فى شهر يوليو الماضى وأجبروه على شرب الكيروسين ثم أحرقوه بعد تعذيبه، هم تلاميذ أولئك الحاخامات. وإذا كانت إسرائيل قد نجحت بصورة نسبية فى التستر على الثقافة «الداعشية» حتى بدت وكأنها ثقافة هامشية لا تشكل صلب منظومة قيم المجتمع الإسرائيلى، فإن الحقيقة انكشفت تماما فى حربها الأخيرة ضد غزة؛ حيث لم تكتف بقتل البشر وإبادة أسر بأكملها، ولكنها عمدت إلى تدمير البيوت وتخريب البنية التحتية للعمران. وقصف المستشفيات والمساجد والمؤسسات التابعة للمنظمات الدولية، كما أطلقت صواريخها الفتاكة ضد كل ما دعت القوانين والمواثيق الدولية إلى ضرورة تأمينه فى زمن الحرب.
من يدرى، فإذا قدر لدولة داعش أن تستمر لعدة عقود فربما أعادت النظر فى تقديم نفسها وتحديث أدائها، بحيث تخفى عوراتها وتتجاوز المرحلة التى مرت بها إسرائيل فى أربعينيات القرن الماضى. لا أتحدث عن الأفكار بطبيعة الحال ولكننى أعنى تطور الخبرات التى تساعد على إخراج الأفكار ذاتها بصورة تخفى ما يشوبها من بشاعات. وهذا ما فعلته إسرائيل، التى أزعم أنها ليست سوى صيغة حداثية لداعش قبل بها العالم وخدعت كثيرين، بعضهم فى العالم العربى للأسف الشديد. لذلك أتمنى أن نضع إسرائيل وداعش فى مربع واحد، حيث لا فرق جوهريا بينهما فى منظومة القيم، لكن الفرق يكمن فقط فى سنوات الخبرة وكفاءة إخفاء الدمامة والقبح. حيث لا أرى فرقا موضوعيا بين من يقطع رأس رجل ويتباهى بفعلته وبين من يبيد أسرة بكاملها بصاروخ يهدم البيت على مَن فيه.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.