فهمى هويدى يكتب | إعلاميون ونشطاء

فهمى هويدى يكتب | إعلاميون ونشطاء

فهمى-هويدى

على الهواء انهالت المذيعة على الفتى عبدالله عاصم تقريعا وتنديدا وتجريحا، لان المخترع الصغير آثر البقاء فى أمريكا، بعدما أمضى فى الحبس 15 يوما وسمح له بالسفر بعد ذلك، ثم بعث إلى الجميع برسالة على موقعه الإلكترونى قال فيها انه يخشى فى حال عودته ان يتعرض للاعتقال مرة أخرى، وان يقضى وراء جدرانه «سنوات بلا محاكمة أو يموت بلا ثمن».

كان البرنامج التليفزيونى أحد المنابر التى تبنت قضيته منضمة فى ذلك إلى الأحداث الأصوات المصرية التى دافعت عن الفتى، بعدما منع من السفر، الأمر الذى كاد يحرمه من المشاركة فى مسابقة «انتل» العالمية التى تقام للمخترعين فى كاليفورنيا. وكان قد وقع عليه الاختيار لتمثيل مصر فى تلك المسابقة بعدما اخترع نظارة تساعد مرضى الشلل الرباعى فى التواصل مع الآخرين.

نجحت مساعى رفع الحظر عنه، وبعدما شارك فى مؤتمر كاليفورنيا، أعلن انه لن يعود إلى مصر، وذكر انه ليس سعيدا بذلك لانه كان يريد أن يعيش وسط أسرته فى أسيوط، ولكنه اختار ان يبقى فى الولايات المتحدة للسبب الذى ذكرته توا. فى البرنامج المسائى الذى جرى بثه مساء يوم الأحد 19/5 أبلغتنا المذيعة بالخبر، ثم صبت جام غضبها على الفتى، فاتهمته بالنذالة، وقالت انه بلا مبدأ وأن أهله لم يحسنوا تربيته، واستخدمت مصطلحا مخففا فى ذمه حين قالت له: فى ستين سلامة والأصل الدارج انها ستين «داهية»، وعيرته بأنه بقراره اختار ان ينضم إلى الخونة والعملاء. ولم يفت المذيعة ان تعطينا درسا فى الأخلاق والوطنية والانتماء، مضيفة ان برنامجها حين تضامن مع حقه فى السفر فان ذلك كان انطلاقا من موقف مبدئى أخلاقى ومن موقف وطنى أيضا، لانها دفعت إلى ذلك من أجل مصر فقط.

(ملحوظة على الهامش وزير التربية والتعليم الدكتور محمود أبوالنصر كان أكثر مسئولية وتهذيبا، حين وجه رسالة إلى الفتى دعاه فيها إلى العودة إلى الوطن الذى سوف يحتضنه ويرعى عبقريته ــ المصرى اليوم 20/5).

المشهد يثير أكثر من ملاحظة، بعضها يتعلق بموقف الفتى عبدالله واختياره، والبعض الآخر يتعلق بموقف المذيعة الذى يعكس حالة تلبست آخرين من امثالها الذين تحولوا من مذيعين يمارسون مهنة الإعلام إلى «نشطاء» يعبرون عن التحيزات السياسية (الموالية لسياسة الحكومة بطبيعة الحال). لا يكتفون بإحاطة الناس علما بما يجرى، وإنما يعمدون إلى املاء آرائهم على الناس ومحاضرتهم فيما ينبغى أن يجرى. وهم بذلك لا يتركون للناس فرصة التفكير والاختيار وانما يصادرون ذلك الحق ويفرضون عليهم اختيارهم أو تحيزاتهم الخاصة.

لن أتوقف طويلا عند موقف المخترع الصغير، رغم ان تصرفه يستحق المناقشة. على الأقل من زاوية شعوره بالخوف من الاعتقال وخشيته من ان يعتقل بلا محاكمة وان يموت بلا ثمن على حد تعبيره. وهو الانطباع الذى خرج به من تجربته التى تعرض فيها للاعتقال دون أن يرتكب ذنبا جناه، وهو ما تعرض له كثيرون من ضحايا الاعتقالات العشوائية التى نطالع قصصها بين الحين والآخر على مواقع التواصل الاجتماعى.

يعنينى فى الوقت الراهن ظاهرة المذيعين ومقدمى البرامج التليفزيونية الذين تحولوا إلى نشطاء. وهى الظاهرة التى تحولت إلى وباء أصاب الأغلبية الساحقة منهم. وإذا كانت الإعلامية سابقة الذكر قد أهانت الفتى عبدالله عاصم فإن ذلك مجرد مثل صغير لان خطاب «الردح» الإعلامى صار لغة تستخدم من جانب الأغلبية الساحقة فى مواجهة جميع المخالفين، سواء كانوا رموزا سياسية أو ثقافية أو زعماء ورؤساء دول. ولم تنج بعض الشعوب من ذلك (حدث ذلك مع الجزائريين والفلسطينيين).

فى تحليل الظاهرة تبرز عوامل عدة، منها الفراغ السياسى وغياب المؤسسات التى تدير المجتمع، الأمر الذى حول التليفزيون إلى قوة تأثير هائلة فى المجتمع. وتلك من سمات زمن الفُرجة الذى أصبحت الصورة فى ظله تلعب دورا مهما فى تشكيل الإدراك، خصوصا فى ظل توفر عناصر الابهار والجاذبية التى يتفنن فيها المخرجون. وهو ما حفر مكانة خاصة لنجوم التليفزيون الذين باتوا يدخلون كل بيت ويؤثرون فى إدراك وسلوك الكبار والصغار. وهذا الاغترار بالقوة حين حدث فى أجواء الفراغ فإنه حول مقدمى البرامج إلى قادة سياسيين، فلم يعودوا يكتفون بتنوير الرأى العام منذ أدركوا ان بمقدورهم توجيه وصناعة الرأى العام. وحين دخل القطاع الخاص إلى الساحة وأصبح الرواج والربح على رأس أولوياته تحولت المهنة إلى تجارة، وفقدت ضوابطها وشروطها أمام الرغبة فى الرواج بأى ثمن. فانفتحت الأبواب على مصارعها لكل من يحسن الكلام ويجيد ركوب الموجة ويتفوق فى التهليل والتنديد، ولان الإعلام التليفزيونى ليس له صاحب بعد دخول رأس المال الخاص، فان المهنة انقرضت وصارت نهبا لتجاذبات الهواة وأصحاب المصالح. وإذ تزامن ذلك مع تدهور مستوى الحوار وتراجع لغته وآدابه، فقد صار الردح لغة مقبولة ومعتمدة ليس فقط عبر شاشات التليفزيون ولكن على صفحات الصحف أيضا. ولانه لا يصح إلا الصحيح فى النهاية، فاننى أحاول إقناع نفسى بأنها سحابة سوف تنقشع يوما ما، لكن السؤال هو: متى؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.