فهمى هويدى يكتب | من آيات الحفاوة والدهشة

فهمى هويدى يكتب | من آيات الحفاوة والدهشة

فهمى-هويدى

تشهد إسرائيل هذه الأيام محاكمة سياسية وإعلامية واسعة النطاق لرئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس الأركان وأجهزة الاستخبارات، وكل مسئول مدنى أو عسكرى آخر كانت له صلة بالحرب الفاشلة على غزة، التى لم تحقق شيئا من أهدافها فى نظر الناقدين. صحيح أن هناك أصواتا أخرى فى معسكر نتنياهو ووزير الدفاع موشيه يعلون تتحدث عن انتصار حققته إسرائيل، ولكن المؤرخ والمعلق العسكرى أورى بار يوسف كتب فى يديعوت أحرونوت متسائلا: إذا كان ذلك هو الانتصار فكيف تكون الهزيمة؟ وكتب اير اورن فى هاآرتس العبرية مطالبا بإخضاع نتنياهو للمساءلة بعدما اتهمه بالكذب، كما طالب بتعيين رئيس جديد للأركان فى أقرب وقت لكى يستعيد الجيش الإسرائيلى ثقته بنفسه بعدما اهتزت عقيدته العسكرية. وأبدى دهشته من أن أكبر وأقوى جيش فى المنطقة واجه تحديا من 15 ألفا من مقاتلى حماس طوال خمسين يوما. ووصف ما جرى فى تلك المواجهة بأنه «ليس سقوطا ولكنه انهيار». المعلق السياسى بن كاسبيت تساءل فى برنامج بثته الإذاعة العبرية العامة قائلا: أين دور سلاحنا الجوى الأعظم ذى القدرة الهائلة، ولماذا لم يحسم الأمر؟ ولماذا لم توفر استخباراتنا ذات الشهرة الفائقة المعلومات الكفيلة بتوجيه ضربات قاصمة لحماس؟

فى الوقت ذاته تحدثت يديعوت أحرونوت عن استبدال قائد فرقة غزة فى الجيش ميكى ادلشتاين ونقله إلى النقب بعد فشله فى الحرب على غزة، وتعيين ضابط بديل له اسمه ايتاى فيروف. ونقلت القناة العبرية الثانية أن الجيش سيجرى تحقيقات فى أداء وحدة «جفعاتى» فى رفح (وحدة النخبة المقاتلة فى جيش إسرائيل) وذكرت صحيفة «كلسكليست» الاقتصادية أن الجيش طلب زيادة ميزانيته العسكرية بمبلغ عشرة مليارات شيكل خلال السنوات الخمس القادمة، لتطوير كفاءته العسكرية بعد الدروس التى استخلصها من تجربة الحرب الأخيرة على غزة.

المناقشات لم تقف عند نقد أداء رئيس الحكومة والجيش والاستخبارات، وإنما المناقشات تناولت أيضا أخلاقيات الجيش الإسرائيلى بعد المجزرة التى أحدثها فى مدينة رفح، جراء تطبيقه لما يعرف بـ«بروتوكول هنيبعل» الذى يقضى بمنع اختطاف أى جندى إسرائيلى حتى إذا اقتضى ذلك استخدام النيران بما لا يؤدى إلى موت المختطف. ولكن التطبيق العملى ذهب بعيدا فى إحباط أى عملية اختطاف إلى الحد الذى أدى إلى التضحية بحياة الإسرائيلى المخطوف. على الأقل فذلك ما حدث فى رفح أثناء الحرب الأخيرة. إذ شكت القيادة الإسرائيلية فى أن أحد الضباط ـ هدار جولدن ـ وقع فى أسر الفلسطينيين واختطف. فتم قصف مئات البيوت وتدمير حى كامل فى رفح على ساكنيه بأكثر من ألف قذيفة مدفعية، بالتوازى مع قصف عنيف للطيران الحربى. وأرادت إسرائيل بذلك إقامة منطقة معزولة ظن الجيش أنه يمكن أن يتواجد الضابط فيها. وحرص على ألا يتمكن أى شخص من الخروج منها أو الدخول إليها. وفى حدود ما سمحت به الرقابة العسكرية الإسرائيلية ونشرته صحيفة «هاآرتس» فإن مقاتلين فلسطينيين هاجموا موقعا للجيش الإسرائيلى فى أحد أحياء رفح، الأمر الذى أوقع قتلى من الجانبين إثر تبادل النيران الكثيفة بينهما. وعندما اقترب الإسرائيليون من موقع الحادث فإنهم رأوا ثلاث جثث اثنتين منها لإسرائيليين، أما الثالث فقد اكتشفوا أنها لمقاتل فلسطينى خدعهم بارتداء زى عسكرى إسرائيلى. وحينذاك أيقنوا أن زميلهم هدار جولدن تم اختطافه، ففتحوا النار الكثيفة فى كل اتجاه ولم يترددوا فى تدمير الحى كله لإحباط عملية الخطف.

المجزرة التى أحدثت ردود فعل سلبية فى العالم الخارجى وفتحت الباب لمناقشة أخلاقيات الجيش الإسرائيلى. فقد استهجن ما جرى المعلق فى «هاآرتس» تسفى بارئيل وكتب قائلا إن الإسرائيليين تنفسوا الصعداء مرتين أثناء الحرب. حين أقر الجيش إعلان موت الجندى اورن شاؤول وحين أعلن موت الضابط جولدن، حتى بدا وكأن الإسرائيليين شعروا بالانتصار وليس الحزن، لأن حماس لم تنجح فى خطف الجنديين. وبذلك تكون الدولة قد نجت من صدمة مضاعفة. ومن تظاهرات إعادة المخطوفين واحتجاجات ذويهم، وتظاهرات أخرى ضد صفقات تبادل الأسرى. الأمر الذى يعنى أن الإسرائيليين أصبحوا يفضلون جنودا قتلى على أسرى أحياء. ووصف الكاتب بروتوكول هنيبعل بأنه «منتج مشوه وشيطانى»، يعنى أن يموت العالم ومعه الجندى المخطوف، لأن الأهم هو ألا تشعر إسرائيل بالخزى والحرج.

معلق الشئون الخارجية روبن برجمان كتب قائلا إن الالتزام بالبروتوكول يعنى أن الدولة تفضل أن يقتل الجندى على أن يقع فى الأسر سليما معافى. ووصف المعلق أورى عراد فى موقع «واينت» البروتوكول بأنه جريمة أخلاقية تنبع من وجهة نظر فاشية تعطى الأولوية للدولة على الفرد. ولا تحترم فى ظله حياة الفرد الذى يعرض نفسه للموت دفاعا عن دولته.

أثار انتباهى فى تلك المناقشات أمران، أولهما أصداء الصدمة التى أحدثتها لأول مرة بسالة المقاومة الفلسطينية وارتفاع قدرتها القتالية فى داخل إسرائيل. الأمر الثانى أن ذلك كله قيل بحق الحكومة والجيش دون أن يتهم القائلون بتهديد الأمن القومى أو الإساءة إلى رموز الحكم ولا إهانة القوات المسلحة ولا النيل من هيبة الدولة وإسقاط نظامها. وقد سرب إلى الأمر الأول شعور بالتقدير للمقاومة، أما الثانى فقد أصابنى بدهشة تلازمنى طول الوقت.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الشروق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.