في الذكرى العاشرة لرحيل الكاتب/ محمد مستجاب

محمد مستجاب الابن يكتب: “أبويا.. محمد مستجاب”

لعل أخطر ما داهمني فى الأيام الأخيرة من حياة “أبويا مستجاب”، وهو على فراش المرض، عندما نظر لي تلك النظرة وعلى شفتيه ابتسامة مطمئنة مباغتة مراوغة، وقال لي: “يا واد يا محمد ما فيش همة”، أنني أيقنت حيئنذٍ، أن شيئا سيحدث، مما جعلني في حالة من الضغط والارتباك لم تتركنى حتى الآن.

لم يقل “أبويا مستجاب” مثل تلك الكلمات من قبل، حتى عندما داهم المرض اللعين الجميلة سوسن، كان يعمل مبتسما وصابرا ومؤكدا أنه لن يسمح بأن يحدث شيء لسوسن أو أن نحس بأن مرضها قد أربك الأمور لديه أو لدينا نحن فى المنزل.

حتى عندما جلست فى المنزل عاطلا فترة كبيرة بدون عمل، وقد كان بإمكانه بمحادثة تليفون، أن يحل تلك المشكلة، لكنه قال لى إنها مشكلتك أنت، ولا يجب أن تجلس تبكى أو منتظرا أن يفعل لك أحد شيئا، أو تعتمد على أقدام وأيدى الآخرين، قال لي إن العالم والدنيا أمامك، افعل ما شئت. لكن الذى يحزننى حقا أننى الآن أجلس مُنتظره.

أتذكر عندما أجلس أمامه، ويفرد كف يده وبها بعض النقود، وعندما أهم بمد يدى أجدها وقد تحولت إلى قطعة من الشوكولاتة أو قرطاس طعمية ساخن، وفى زهق أقفز لكى أقتنصها فتسيح الشوكولاتة، وتنز أقراص الطعمية الزيت، فأبدا فى البكاء، فيضحك ويبدأ فى إخرج بيضة من أذنه يصالحنى بها، وعندما أمسكها فى يدى أجدها وقد تحولت إلى فيل، وعندما أمتطى ظهره أجده قد تحول إلى زرافة أو بساط سحري.

وهو الآن وكأنه معى ويتجول معى ويدللنى ويرمز لى بأشياء قوية جدا، لدرجة أننى أصرخ وأقول له: لم أعد أحتمل كثرة التوجيهات والأوامر والتعليمات، فيبتسم ويخلع جلبابه ليظل عاريا خارجا توا من الغابة أو بحر الصحراء أو الحمام ليقول لى “شيل العكارة من على وشك”، وإن أحسن حل لأية مشكلة ألا يوجد حل، حتى عندما كان يجلس فى الشرفة، ويغالبه النعاس، وفى تلك اللحظات أدخل فى مشاحنات مع أمى، بسبب عدم كى قميص أو التأخر فى تنظيف بعض الملابس، فإننى أعلم أنه كان يسمعنا.

لقد كان يسمع الصمت، لأنه بعد أيام سوف يداهمنى بأنه لا داعى لأن أتشاجر مع أمى على مسائل بسيطة، بل إنه كان يرى وهو نائم، كان قادرا على الإحساس بنا بدرجة خطيرة، وعندما كنت أقول له إننى خارج، فيقول لى: هل معك نقود؟ فأقول نعم، فيبتسم وينظر لى وهو يعلم أن جيبى خال من أية رائحة للنقود، فيقول: افتح الدولاب وخذ ما تريده، وعندما آخذ ما أريد، يصرخ وينادى على والدتى وإخوتى: لقد بدد الوريث ثروتى؟

كان شديد الإحساس بنا جميعا حتى الذين قد دخلوا معه فى عداوة، سواء من الأقارب أو الأصدقاء، فقد علمنى شيئا ما زلت أفعله حتى الآن، وهذا ما يبدو غريبا علينا فى تلك الأيام، وهو كيف آخذ مفكرة التليفون، وأبدأ فى الاتصال بالأصدقاء والأقارب فى المناسبات والاطمئنان عليهم، حتى وهم لم يتوقعوا ذلك مطلقا، كيف كان “أبويا مستجاب” قادرا على امتصاصنا بهذا الشكل والبراءة لكى يصل إلى حالة من التصالح مع نفسه ومع الآخرين ومع الله؟

لم أصادف أو أصادق شخصا مثله من قبل، لقد كان “أبويا مستجاب” يحسن استقبال ضيوفه وأصدقائه وقاصديه وتلاميذه، يقوم ويفتح الباب على مصراعيه، ويستقبلهم بابتسامته الضخمة التى تبتلعهم وتطمئنهم، وفى ثوان يكون الضحك قد ملأ الدنيا، لقد رأيت خلقا كثيرين يأتون إلى منزلنا لكى يغسلوا همومهم وتعبهم وحاجتهم، وبنظرة مستجابية ثاقبة متفحصة ينادى على سوسن أو ينادينى ونميل ناحيته وأنصرف لآخذ من دولابه مبلغا من النقود أضعه فى ظرف أو فى يده، هكذا كان ويذكر ذلك كثير من تلاميذه وكيف كانوا يقصدون منزل مستجاب فى أي وقت عندما تعتصرهم العاصمة، ليحسوا بالدفء والشبع والانصراف ببعض تلك الطمأنينة التى تؤكد لهم أن العالم مازال جميلا.

أتذكر أن أشد ما كان يؤلمه فى الفترة الأخيرة افتقادنا للخيال. لقد قال لى ذات مرة إن أزمة مصر الآن، ضيق الأفق واندثار الخيال وعدم وضع الأشياء التى تحدث حولنا فى نصابها الصحيح، وكيف قال لى ذات مرة إن الحل هو النظام، وكيف أن هذا البلد عندما نظم “فتح الدنيا حتى أبواب الأستانة”، وكيف أنجز هذا البلد مشروعا عملاقا مثل السد العالى، وكيف عبرنا بهؤلاء الجنود، الذين عادوا محطمين من النكسة. هكذا كان يرى ما يحدث حولنا.

أعرف أننى اختلفت معه كثيرًا أو دائما، لكنه كان دائما على صواب، وهو الآن الذى يحدث معى، لأننى أقوم بكل شيء كان يطلبه منى وأرفضه. الآن أقوم به بنشاط وحماس وكأنه يقف ويراقبى وينبهى، وهل الذى أفعله سوف يفرحه أو يزعجه. ولم يزل هو الوحيد القادر على جمع شمل العائلة، وعندما كان ينادى وهو نائم فى غرفته “يا محمد في رائحة سجائر”، فأضحك، فحتى وهو نائم يعلم ماذا أفعل إذا كنت أذاكر أو أدخن، فما بالكم وهو الآن فى رحلته الأبديه لكنه يعلم كل شيء.

قد يحزن أو يغضب أو يضحك لكنه من المؤكد يعلم كل شيء، يداهمنى فى منامى وعملى بشكل يربكنى حقا، مازلت أتذكر عندما عاد وكنت صغيرا وهو يحمل صورة ضخمة للرئيس جمال عبد الناصر تحت ذراعيه وفى وجهه ابتسامة المنتصر، وبعد أن كبرت عرفت أن هذه الصورة كانت السبب فى خصم من مرتبه وسجنه فى حجرة كان مسجونا فيها قبله الكاتب محمد عبدالحليم عبدالله معاقبا من طه حسين، ولذلك فإننى مصمم على الاحتفاظ بكل شيء كان يحبه “أبويا مستجاب”.

بكل المقايس حتى بمنطق العداء والكراهية كان “أبويا مستجاب” رجلا عظيما، وأعتقد بل من المؤكد أن ملامحه وتكوينات جسده الضخم لم أجد لها مثيلا يحتذى به غير الشبه بينه وبين الزعيم جمال عبدالناصر. نفس الابتسامة والنظرة والاستدارة التى يتكون منها الأنف والعيون والخدود والرأس والجسد. إنه الفلاح الصعيدى الذكى اللماح الطيب، أتذكر أيضا عندما كان يؤكد ويلح لى على ضرورة وضع العدو الإسرائيلى تحت منظار المعرفة دون التفريط فى أصول العداء، وكان السؤال: ماذا نعرف نحن الأجيال الحالية عن إسرائيل فى حين أن إسرائيل تعرف وتحلل وتمحص كل النتاج العقلى والوجدانى الذى تفرزه مصر بجميع أجيالها؟

أتذكر “أبويا مستجاب” وهو يطاردنى أو يلاعبنى أو يسبنى، أمام قاعة سيد درويش أو أسفل نفق الهرم أو فى مدخل مدينة سقارة أو على بسطة السلم أو داخل دورة المياه أو فى دار الأوبرا كى أذاكر دروسى أو لا يعلو صوتى فى المنزل.

كان “أبويا مستجاب” ابن بلد، وعندما كنت أنتظره على رصيف محطة قطار الجيزة، أحمل عنه الحقائب، ويقول لى: هل سنذهب للمنزل بدون شيء؟ وهو مرهق من السفر، فيقول: انتظرنى، فيخترق حوارى الجيزة المزدحمة مستعينا بالرب أن يسهل له أموره، ليخرج محملا بالفاكهة وحلويات وأشياء كثيرة كانت تسعدنا فى المنزل. كان لديه القدرة على التفكير فى كل شيء، وفى أى وقت.

لم أع أنى أحبه بهذا الشكل.. هل أحبه قدر البحر والسماوات والأرض والحبوب والفراشات والورود ودقات القلب والنبض والشمس والأنهار والطيور والخير والرمال والجبال؟ أعلن أننى أحببته أكثر من ذلك، لقد كان بالنسبة لى هواء جديدا أتنفسه وعينا أرى بها وعقلا أفكر به، وقلبا ينبض نبضات حقيقية. أعلن أننى غارق فى “أبويا مستجاب”.

علمنى “أبويا مستجاب” أن الحكمة لا تلقن، بل تكتسب، فقد اكتسب حكمته من العمل والأصدقاء والناس والسفر والخروج للآفاق والرؤية الثاقبة للأشخاص والجماد والشمس والهواء، وهذا ما جعله يعبر عنهم أصدق تعبير.

لقد ذهبت إلى ديروط الشريف بعد وفاة “أبويا مستجاب” لأجدها ولأول مرة قد عرفته أو تتحدث عنه، ادخلوا ديروط الشريف الآن، ادخلوها تحت لفح الشمس أو فى منتصف الليل، تسللوا إليها أو اقتحموها، ستجدونهم فى كل مبنى وفى كل حارة وفى كل شارع وفى السويقة، تحت كل لسان، فى مجال البصر، تحت طبلة كل أذن، وسط نيران الفرن وأسفل محفة الخبيز، وأسفل كل يدين تعجنان فى ماجور، فى جداول وقنوات وترع ديروط، فى مذبح الكنيسة وأعتاب الدير المحرق ودير درنكة، وأسفل منبر جانع الأمير سنان وفوق مئذنة مسجد القرية الكبير، فى فوهات المقابر وفى السوق وعلى حافة المزارع وبين غابات القصب..، ستجدونهم يتحدثون عن “أبويا مستجاب”.

ولأننى أضيق بمن ينصحنى أو يعظنى أو يوجهنى، فأنا الآن أجلس أعمل مُنتظرا “أبويا مستجاب”، لكى ينصحنى ويعظنى ويوجهنى، رائق الجوانح مستمتعا بالتعليمات والتنبيهات، بل إننى خائف من التقصير فى الفعل فيغضب على ويقرر عدم زيارتى أو توجيهى. لا تعلمون يا سادة كيف أننى فى أشد الاحتياج إليه، بل إننى أقوم بأشياء غريبة بالفعل، بعد أن نقلت كل أشيائه، إلى “جحر” بمدينة السادس من أكتوبر مكونا “دوار آل مستجاب”. إننى أترك جميع مداخل “الجحر” من أبواب وشرفات ونوافذ مفتوحة، وأقوم دائما بترتيب وتنظيف مقتنياته وكتبه، حتى لا يأتى ويجد شيئا متسخا أو يأتى فيجدنى لم أنته من الذى طلبه منى، لم أعد أهمل أشيائى أو أتركها لشخص آخر يقوم بترتيبها. ماذا فعل بى “أبويا مستجاب”، لماذا يراقبنى أنا بالذات دون إخوتى، لماذا جعلنى أحمل صولجانه وأرث عرشه وأحمى ثروته المكونة من جحرين أحدهما فى ديروط الشريف والآخر فى مدينة أكتوبر، ومكتبة ضخمة وحزمة أقلام سليمة وبك أب وأسطوانات لبتهوفن ومحمد فوزى ودستوفسكى وعبدالوهاب وبنتين وولد وأم، ومجموعة من الأحفاد.. لماذا كل هذه الأحلام والأحمال والآمال على كتفى أنا، و لماذا اسمى محمد محمد مستجاب، لماذا لماذا، ومُنتظر أن يداهمنى للإجابة عن كل شيء فى عقلى وقلبى ومستقبلى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.