كيف عالجت نقابة المحامين أزمة الشرعية فيها؟ 2/ 2

كيف عالجت نقابة المحامين أزمة الشرعية فيها 2/2

احمد قناوياحمد قناوي – كاتب مصري – محام بالنقض

تم سحب الثقة من النقيب “أحمد الخواجة” ومجلسه في أول تطبيق لحق القاعدة في سحب الثقة وعزل ممثليها، وكان “أحمد الخواجة” رجل دولة وليس مجرد نقيب للمحامين. بعد إلقاء القبض علينا قامت النيابة العامة بتسليم النقابة إلى مديرها الإداري الذي بادر على الفور بتسليم النقابة إلى “أحمد الخواجة” الذي كان قد طعن على قرارات الجمعية العمومية بسحب الثقة منه، لكنه خسر الطعن وتحصنت قرارات جمعية 19يناير وأصبح فاقدًا لأية شرعية.

حاول “أحمد الخواجة” شأن كل مستبد أن يبحث له عن شرعية جديدة، فدعا إلى عقد جمعية عمومية تحدد موعدًا للانتخابات، وفعلاً عقدت في 26/ 5/ 1989 وكان قد أفرج عنا مع استمرار ضغط المحامين يوميًا، وحيل بيننا وبين حضور هذه الجمعية بعد قيام النقيب ومجلسه بتوظيف عدد كبير من البلطجية وأصحاب السوابق ليدافعوا عنه، وهذا أيضًا حال كل مستبد: حين يفقد الشرعية يلجأ للقمع وللقوة.

وتنفيذًا لقرارات الجمعية العمومية المزورة أجريت انتخابات قاطعها الإخوان فضلاً عن كل القوى الأخرى، وباتت الانتخابات فقط بين مؤيديه، وأفرزت تلك الانتخابات أسوأ مجلس نقابي عرفته نقابة المحامين في تاريخها، فهو لم يكتفِ بحماية مجموعة من البلطجية بل قام بتعلية أسوار نقابة المحامين لتتحول إلى سجن كبير محاصر دائمًا من المحامين الغاضبين من نقيب ومجلس مغتصب للشرعية.

وقام هذا المجلس بشطب عدد من أنصار جمعية 19 يناير من جدول النقابة ونقلهم إلى جدول المحامين غير المشتغلين (وكنت ضمن هؤلاء) وكان على رأس قائمة الشطب “د.محمد عصفور” رئيس اللجنة المؤقتة و”د.عبد الله رشوان” رئيس الجمعية و”شمس الدين الشناوي” و”أحمد ناصر” وقامت النقابة بنشر إعلان بمساحة كبيرة في كل الصحف المصرية بقرار النقابة بشطب عدد من المحامين، وطعنا على هذا القرار وحصلنا في سابقة سريعة جدًا في قضاء مجلس الدولة ببطلان هذا القرار.

وكنا قد قمنا بالطعن على الجمعية العمومية المزورة وعلى كل ما اتخذته من قرارات، ومنها انتخاب نقيب ومجلس نقابة، وفي ظل نزاع قضائي استمر عامين كاملين أصدرت محكمة النقض حكمًا ببطلان الجمعية العمومية وبطلان مجلس أحمد الخواجة، والنتيجة الوحيدة لهذا الحكم كان تسليم النقابة إلى رئيس اللجنة المؤقتة لنقابة المحامين المختار من جمعية 19 يناير، لكن الدولة العميقة كانت حاضرة، فاجتمع مجلس الشعب الساعة 12 ليلاً وبعدد محدود من أعضائه في اليوم نفسه الذي صدر فيه حكم محكمة النقض، ليصدر تعديلاً جديدًا على قانون المحامين يمنع اكتمال انتصار جمعية 19 يناير 1989، وبالفعل صدر التعديل الذي احتج عليه المرحوم “كمال خالد “المحامي وكان نائبًا في مجلس الشعب وأطلق عليه عملية السطو على نقابة المحامين ليلاً.

كان جوهر التعديل أنه في حال صدور حكم ببطلان انتخابات نقابة المحامين يؤول الأمر إلى أقدم رئيس لمحكمة استئناف القاهرة، الذي عليه أن يتولى أمر الدعوة إلى إجراء انتخابات للنقابة، وبموجب هذا القانون تسلم رئيس محكمة استئناف القاهرة نقابة المحامين.

وبدأت عملية ديمقراطية جديدة لتمنح شرعية حقيقية غير مزورة وغير مصطنعة، ذلك أن الاختيار الحر للأعضاء هو وحده الكفيل بتحقيق هذه الشرعية.

اجتمع أنصار جمعية 19 يناير 1989 لاختيار ممثل لهم يخوض الانتخابات ضد “أحمد الخواجة” وعُقد الاجتماع علنًا في دار القضاء العالي، كان هناك اسمان مطروحان للمشاركة وهما: “أحمد ناصر” أحد قادة جمعية 19 يناير و”عثمان ظاظا” سكرتير عام نقابة المحامين السابق، واستقر الأمر على اختيار الأخير في مواجهة “أحمد الخواجة” ووافق “أحمد ناصر” على ذلك وكان حتميًا لو سارت الأوضاع على هذا النحو أن يحدث سقوط مدو لأحمد الخواجة، لكن حِيَل “أحمد الخواجة” السياسية كانت حاضرة، وربما يكون هذا مشروعًا في العمل العام، فدفع ببعض أنصاره إلى الذهاب إلى مكتب “أحمد ناصر” لدفعه إلى الترشح وهى حيلة انطلت على “أحمد ناصر” فعاد وغيّر رأيه وقرر نزول الانتخابات وأصبح لجمعية يناير مرشحان “عثمان ظاظا” الذي حظي بشبه إجماع من أنصار يناير و”أحمد ناصر” الذي خرج عن الاتفاق.

وأجريت الانتخابات وكنت أقف بجوار “أحمد ناصر” داعيًا المحامين لانتخاب “عثمان ظاظ” وكان حظ “أحمد الخواجة” في الانتخابات محدودًا حتى الساعة الواحدة ظهرًا بعد ذلك تبين تحالف الإخوان – وهذا شأنهم دائمًا – مع “أحمد الخواجة” ودفعوا المحامين من أنصارهم للحضور والإدلاء بالأصوات لدعم “أحمد الخواجة” نقيبًا للمحامين.

جاءت النتيجة: أحمد الخواجة 1600 صوت، عثمان ظاظا 1400 صوت، أحمد ناصر 800 صوت. ونجح “أحمد الخواج”ة لكن كل مجلسه تقريبًا سقط في هذه الانتخابات، حتى أقطاب هذا المجلس مثل “صبري مبدى” الذي سقط في دائرة استئناف الإسماعيلية لتفوز “بشرى عصفور” من مؤيدي جمعية يناير عليه، وكذا “محمود عبد الحميد سليمان” لينجح في مواجهته أحد أنصار جمعية يناير “محمد فزاع” وبالجملة سقط مجلس “أحمد الخواجة” ونجح الإخوان في الحصول على 18 مقعدا من 24 مقعدا في مجلس نقابة المحامين.

كان من نتائج هذه الجمعية على الفور أن قرر مجلس النقابة إزالة الأسوار التي رفعها “أحمد الخواجة” على أسوار نقابة المحامين وبالفعل وفي احتفال كبير أزيلت تلك الأسوار، وتم تسريح جهاز البلطجية الذي قام “أحمد الخواجة” بتعيينه.

وبموجب شرعية جديدة انتهت أزمة نقابة المحامين مؤقتًا، ليظهر أن الدولة العميقة حاضرة بأدوات مختلفة لنصرة رجالها، ويظهر أن الشرعية التي تحظى بالرضا العام الذي لا يقصي أحدًا هي فقط التي تزيل الاحتقان، وتظهر كذلك جماعة الإخوان أنها كانت دائمًا نصيرة للاستبداد.

المصدر: الجزيرة مباشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.