لجام دستورى للتعصب بقلم : محمد المخزنجي

 لجام دستورى للتعصب
محمد المخزنجي
تعجبنى كثيرا الروايات التى تندرج تحت مسمَّى «رواية الحقيقة القصصية» أو «رواية الصحافة الجديدة»، وهى روايات يمتزج فيها فن السرد الأدبى بحِرفية التحقيق الصحفى المعمق، وينهض بها كُتاب من الطراز الرفيع يمتلكون ناصيتى الفن والحرفة معا، والحمد لله أن بيننا أستاذا من أساتذة هذا الاختراق العابر لفنون النثر، الأستاذ محمد حسنين هيكل، الذى هو قطعا أحد سادة هذه الكتابة فى العالم وليس فى عالمنا العربى وحده، أطال الله عمره ومتعه بالصحة والعافية واليقظة الجميلة، وثاقب الرؤية التى تكشف الأيام عن دقة استشرافاتها، وشجاعة إعلانها فى وقت مبكر، وضد التيار الجارف من هوج العواطف وركاكة الحسابات. فليتنا نصقل عواطفنا ونُحكِم حساباتنا، بينما نحتفل بدخول أستاذنا فى عام جديد من عمره المديد السعيد بإذن الله. كل سنة وأنت طيب، وأنت بيننا، يا أستاذ هيكل.
هذا النوع الروائى الذى انتبه له النقد العالمى منذ عقود، ونكاد نكون غير منتبهين له نقديا، أراه تعبيرا حقيقيا عن حادثات أيامنا، التى بات الواقع فيه مثقلا بما يشبه الخيال، بل يتجاوزه أحيانا. ومن هذا النوع قرأت مؤخرا رواية صدرت فى الولايات المتحدة منذ سنوات قليلة بعنوان لافت وموجز هو «زيتون» بقلم الكاتب الصحفى والروائى الأمريكى «داف أيجيرس» مرفقة بالصور الوثائقية لأبطال الرواية، وقدمت دار الشروق ترجمة عربية متقنة لها قام بها الدكتور محمد عنانى، والرواية تحكى قصة حقيقية بطلها مغترب سورى اسمه عبدالرحمن زيتون، كان يقيم منذ عام 1985 فى نيو أورلينز عاصمة ولاية لويزيانا الأمريكية وقت أن اجتاحها إعصار «كاترينا» المأساوى عام 2005، ولأنه بحار ابن بحار من جزيرة أرواد القريبة من شاطئ طرطوس السورى، فقد اجترح مأثرة من البطولة بعد أن أغرق طوفان الإعصار المدينة التى نزح معظم سكانها ولم يبق فيها غير الكادحين والمرضى وكبار السن والحيوانات الأليفة المهجورة، ووحده زيتون الذى كانت أسرته قد غادرت المدينة، وبواسطة قارب بسيط كان يمتلكه، راح يبحر بين الشرفات والسقوف الغارقة مادا يد الإنقاذ لكل من يحتاجها من إنسان وحيوان وطير، فأنقذ من الغرق كثيرين، ومن الموت بالجوع والعطش أكثر. ولأنه مسلم متدين ومتزوج من أمريكية أعلنت إسلامها، فقد صار موضع ريبة من المباحث الفيدرالية، وبدلا من تكريمه بطلا فى تلك الشدة التى ضربت قلب أمريكا، تم القبض عليه بشبهة الإرهاب، ولم يخلصه من براثن هذه التهمة غير دفاع من محامين أمريكيين شرفاء وصحافة وإعلام أمريكيين حرين لم يقعا فى هاوية التعصب، وزوجة أمريكية وصفها الكاتب على لسان أحد أبطال الرواية الحقيقيين بأنها نموذج للطهر والكرامة.
هذه الرواية الحقيقية البديعة والمؤثرة، خلابة المشاهد والمشاعر، كشفت عن وجود التعصب الفردى فى المجتمع الأمريكى كما فى أى مجتمع آخر، ومنه مجتمعنا الذى نتعامى عن تمادى التعصب فيه، لكنها كشفت أيضا عن لجام عام تمسك به الدولة الأمريكية لكبح التعصب، ولنقرأ هذا المشهد من الرواية لكاثى زيتون زوجة عبدالرحمن الأمريكية التى اعتنقت الإسلام وهى بصحبة أمها التى كانت رافضة لإسلامها:
«كانت المنازعات كثيرا ما تنشب بصدد حجابها. كانت تعود إلى المنزل، وتضع حقائبها»، ثم يقول أحدهم: «الآن تستطيعين نزع هذا الشىء». كانوا لايزالون يقولون لها ذلك، بعد انقضاء خمسة عشر عاما على اعتناقها الاسلام، كأنما كان الحجاب شيئا تلبسه مُكرَهة، وفى صحبة زيتون فقط، أو كأنه قناع تنكرى يمكن أن تطرحه فى غيابه، أو قل كأنما كانت تستطيع فى بيت أسرة دلفين، أسرتها، أن تجد ذاتها أخيرا وأن تستمتع بحياتها. وكان ذلك فى الواقع هو الأمر الذى أصدرته والدتها إليها فى آخر زيارة قامت بها كاثى، إذ قالت أمها: «انزعى هذا الشىء من رأسك، واخرجى لقضاء وقت سعيد!».
لكنه كان يحدث فى بعض الأحيان أن يتغلب إخلاص الأم لابنتها على موقف والدة كاثى من الإسلام. فمنذ سنوات ذهبت كاثى مع أمها إلى إدارة المرور لتجديد رخصة القيادة الخاصة بكاثى. وكانت كاثى آنئذ تلبس حجابها، وكانت قد تلقت بالفعل عددا لا بأس به من النظرات المريبة من العملاء والعاملين فى إدارة المرور قبل أن تجلس لالتقاط صورتها. ولكن الموظفة القائمة على آلة التصوير لم تُخف احتقارها.
قالت المرأة: «انزعى ذلك الشىء!».
كانت كاثى تعرف أنه من حقها أن تلبس الحجاب عند التصوير، لكنها لم تشأ أن يتحول الأمر إلى مشاجرة.
فسألتها كاثى: «هل لديك فرشاة شعر؟». حاولت أن تحيل الأمر إلى فكاهة فقالت: «لا أريد أن يبدو شعرى ملبدا فى الصورة». كانت كاثى تبتسم، ولكن المرأة كانت تحدق دون أن يرمش لها جفن. واستمرت كاثى تقول: «حقا، لا أبالى إن خلعت الحجاب لكن بشرط أن تكون لديك فرشاة شعر..».
وكانت تلك هى اللحظة التى هبت فيها والدتها لإنقاذها، بأسلوبها الخاص.
وصرخت والدتها: «لها أن تلبسه! لها أن تلبسه إن أرادت!».
وتحول الموقف إلى مشادة، وكان كل من فى إدارة المرور يتفرج! وحاولت كاثى نزع فتيل النزاع قائلة: «لا بأس ياماما ! حقا لا بأس ! هل معك فرشاة شعر يا ماما؟»
ولم يبد أن والدة كاثى استوعبت ما سمعت، بل تركز اهتمامها على الموظفة التى تمسك بآلة التصوير، وهتفت صائحة: «لا تستطيعين إرغامها على خلعه! إنه من حقوقها الدستورية!».
واختفت المرأة أخيرا فى مؤخرة المكتب ثم عادت بعد أن حصلت على الإذن من رئيستها بتصوير كاثى بالحجاب. وعندما أومض ضوء التصوير حاولت كاثى الابتسام «بتحليل هذا المشهد نجد أما رافضة لاعتناق ابنتها لدين مختلف، ومع ذلك تظل أمومتها أقوى من رفضها، وتتجلى هذه الأمومة فى مواجهة موظفة متعصبة تكيد للابنة بكراهية وفظاظة، فلا تجد الأم ما يدعم عاطفتها ورفضها لإهانة ابنتها المختلفة معها فى الدين غير الدستور، تستدعى حقوق الإنسان الأمريكى الدستورية، ومع تصعيد الموقف واستشارة فعالية أعلى، ينتصر الدستور للمسلمة المقهورة، ويُخزى الموظفة المتعصبة».
 ولنسأل أنفسنا الآن، بعد أن صرنا مجتمعا تُبثُّ فيه سموم الكراهية والتعصب الطائفى والمذهبى ليل نهار، فى الشوارع والأسواق وعبر شاشات فضائيات الفظاظة والجلافة وغلظة القلب والحس والشعور، من كل لون وملة، هل من نَصِّ دستورى مصرى، وقوة دستورية يحرسها القانون، تحمى إنسانا من اضطهاد إنسان آخر له لأسباب تتعلق بالعقيدة الدينية؟ وهل هناك من أمل فى موقف دستورى يشكل مشهدا كذلك الذى عرضناه من صفحات رواية «زيتون»؟
 انظروا إلى تشكيل لجنة إعداد الدستور الذى يُطبخ فى الخفاء وأنتم تصلون إلى الإجابة. وحتى ذلك الحين، تذكروا ما قالته الأمريكية المسيحية وهى تذود عن كرامة ابنتها التى اعتنقت الإسلام وحقها فى ارتداء الحجاب: «إنه من حقوقها الدستورية».. «إنه من حقوقها الدستورية».
 ملحوظة على هامش الرواية: عبدالرحمن زيتون بطل الرواية الحقيقية هو شقيق محمد زيتون بطل العالم فى السباحة الطويلة منذ عام 1960 وحتى رحيله المأساوى فى حادث سيارة على طريق بورسعيد الاسماعيلية عام 1964. فهو سليل أبطال عرب، وزوج بطلة أمريكية، واجها التعصب والعسف، وانتصر لهما الإعلام الحر وحقوق المواطنة فى أمريكا.
فأين نحن؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.