محمد المخزنجي يكتب | الماسادا الإخوانية

عندما يفكر فرد بطريقة تشبه تفكير فرد آخر، فعلينا تَوقع أن سلوكيهما سيكونان شديدى التشابه مهما كانا مختلفين فى الظاهر، وهذا ينطبق أيضا على الجماعات المحكومة بسلطة مركزية قوية أو قيادة شديدة السطوة، سواء كانت جماعات سياسية أو اجتماعية أو دينية أو غيرها، وهنا تبرز أهمية القراءة النفسية للظواهر قياسا على ما يشابهها، فمن هذه القراءة تُكتشف قوانين حاكمة للسلوك تُصاغ فى شكل تشخيصات نفسية تنبئنا بمآلات غير متوقعة، وتضع أيدينا على حقائق كانت خافية، وهذه إحدى مفاتن العلوم النفسية ومفاجآتها المدهشة. بل المذهلة فيما نحن بصدده، إذا قرأنا وقائع اعتصامى رابعة والنهضة الإخوانيين، فى ضوء ملامح أسطورة ماسادا العبرية!وبالطبع، أرانى فى حاجة على التأكيد أننى لا أبغى التعريض ولا الإساءة، بل نقل ما أدهشنى فى التشابه بين واقع حاضر وأسطورة قديمة، فى محاولة للفهم أعمق من القراءة السياسية، لأن الاعتصامين الإخوانيين، بمنظور السلوك البشرى الفردى والجمعى معا، كانا أكبر وأخطر من واقعة سياسية، وهما فى طريقهما إلى تكوين أسطورة جديدة على غرار الأسطورة العبرانية، مع احترام الفارق بين مُكونىّ الأسطورتين.
فى 12 يوليو 1971 ظهر لأول مرة فى الصحافة تعبير «عقدة ماسادا» ضمن عمود «ستيوارت ألسوب»، أحد مشاهير كُتَّاب مجلة «نيوزويك» ولم يلتفت إليه كثيرون، لكن ذلك التعبير صار ذائع الصيت بعد أن استخدمه الدكتور «جوزيف سيسكو»، أحد دهاقنة السياسة الخارجية والمخابرات الأمريكية، فالرجل كان سبيكة من الذكاء والدهاء والعلم ضمن كتائب «الصف الثانى» التى تُشغِّل «قلب المفاعل» فى الإدارة الأمريكية، ولا تظهر كثيرا للعيان، مقارنة برجال الصف الأول فى هذه الإدارة، التى يتصدرها أحيانا نجوم من صفيح، وممثلون من الدرجة الثانية، وأشباه جهلة. حصل جوزيف سيسكو على الماجستير ثم الدكتوراه من جامعة شيكاجو متخصصا فى الشئون السوفييتية فى ذروة سنوات «الحرب الباردة» بين القطبين الأمريكى والسوفييتى، وبدأ عمله فى المخابرات المركزية، ثم التحق بالخارجية وعمل تحت إدارة هنرى كيسنجر، اشتغل بأمور الشرق الأدنى وجنوب آسيا ثم أمسك بملفات الشرق الأوسط عام 1967 وصار « الوسيط» الأمريكى بين العرب وإسرائيل فى 1969، وأدى دوره لنجاح وقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل على طول قناة السويس عام 1970، ولهذا علاقة بموضوعنا. بعد ذلك تقاعد الرجل من العمل فى الخارجية، وصار رئيسا للجامعة الأمريكية فى واشنطن، ثم انضم إلى فريق «سى إن إن» كمحلل سياسى وخبير فى شئون الشرق الأوسط!
إبان عمل جوزيف سيسكو على الملف العربى الإسرائيلى، أرادت الولايات المتحدة إعادة فتح قناة السويس فى ظل وقف إطلاق النار، وأيدها فى ذلك خصمها السوفييتى بعد موافقة مصر فيما يبدو ! لكن إسرائيل التى كانت لها قوات على الضفة الأخرى من القناة رفضت تلك الرغبة الأمريكية على لسان جولدا مائير! فكان أن اشتاط سيسكو غضبا وانفجر قائلا إن جولدا مائير وإسرائيل يعانيان من «عقدة ماسادا» (Masada complex)»، فصار التعبير عَلما فى الكتابات السياسية، ولم يدخل فى إطار مصطلحات علم النفس والطب النفسى إلا متأخرا، وإن كان دخوله الأول على يد غير متخصص هو المحلل السياسى لجريدة «جيروسالم بوست» «جاكوف رئيول»، الذى كتب فى 3 أغسطس 1971: «إن عقدة ماسادا إذا كانت موجودة، فهى ليست مجرد حالة شخصية ترتبط بالسيدة مائير، بل هى مرض نفسى قومى إسرائيلى»، واستخدمرئيول فى ذلك، المصطلح الطب نفسى: Neurosis، أى العُصاب!
أهاج ذلك جولدا مائير فانفلتت قائلة: «إذا كنا متهمين بأننا نعانى من عقدة ماسادا، فهذا صحيح، نحن أيضا نعانى من عقدة المذبحة pogrom complex، ونعانى من عقدة هتلر». حينئذ رد عليها ناقد الأدب العبرى «روبرت ألتر» قائلا: «أخشى أن إيقاد شعلة دائمة عند نصب تذكارى وإقامة مراسم احتفالية بأعلى صخرة ماسادا، يمكن أن ينقل إلى الحياة العامة ترجمة مشكوك فى دقتها لاستعارة أدبية، فحشد رئيسة الوزراء لتاريخ المحرقة، والمذابح، والحصار الذى تعانيه إسرائيل، كل ذلك تحت لافتة الماسادا، يمكن أن يشكل نوعا من التدويخ الشِعرى الذى يربك التفكير فى المشاكل السياسية المُلِحَّة».
لقد أوردت كل ما سبق من جدل داخل إسرائيل حول أسطورة ماسادا، لأبين مدى جدية وجرأة تناول الظواهر المخاتلة فى كيان هو ضئيل هزيل إذا ما قورن بحجم وإمكانات محيطه العربى الذى نكوِّنه، والذى لم يوقف تغولات هذا الكيان الضئيل حتى الآن، لسبب جوهرى بسيط وواضح هو افتقادنا لروح المكاشفة، والتى ما أن ينهض ببعض مهامها نفر منا حتى تنهال عليه الاتهامات واللعنات، وأعتقد أن مصير بحثى فى دلالات ومآلات أوجه التشابه بين أسطورة ماسادا الإسرائيلية واعتصامى رابعة والنهضة الإخوانيين، من زاوية نفسية، لن يجلب لى أقل من اللعنات ممن تقع على ملامحهم بقعة الضوء فتفزعهم، برغم أننى لا أقوم بذلك تشفيا ولا سخرية، يعلم الله، بل لأننى نفسى فى موقف الدهشة من ذلك التشابه العجيب بين ما يُفترض أنهما متناقضين أشد التناقض، ولأننى أود أن أنقل دهشتى إلى من يجدر بهم التأمل وإعادة التأمل من الشباب، خاصة هؤلاء الذين استغرقتهم أو أغرقتهم حالة اعتصامى النهضة ورابعة، دون أن تتاح لهم فى الحشد المعزول والمهتاج لحظة للتفكُّر، من بدء الاعتصامين وحتى فضهما وما ترتب عليه من نزيف دم واشتعال حرائق. وليصدق أو لا يصدق من يشاء، أننى مأخوذ بالبعد الملحمى فى الاعتصامين، ومتعاطف أشد التعاطف الإنسانى، لا السياسى، مع تراجيديا وقائعهما على مستوى أفراد الجمهور فيهما، لا قيادات منصة التحريض والشحن والخداع الذين أحسب الكثيرين منهم مجرمين فى حق هذا الجمهور قبل الجمهورية التى نحن جميعا مواطنيها.
بموازاة تناول الحس السياسى المجرد لمصطلح «عقدة ماسادا»، كانت هناك محاولات من الطب النفسى لنقل المصطلح إلى حقل التطبيقات النفسية، واستلزم ذلك ضبط وإضفاء توصيف «إكلينيكى» على المصطلح، فنشأ فى علم النفس السياسى كما فى الطب النفسى تشخيص «Masada Syndrome» أى متلازمة أعراض ماسادا، الذى ظهر متأخرا تبعا للمصدر المتاح لى فى مرجع الطب النفسى لدانيل بار، والمنشور فى نيويورك عام 1986، تحت عنوان «معالجة الضغوط النفسية الناشئة فى زمن الحرب». وفى العام نفسه قدَّم «برونيلومازل» تعريفا شارحا للمصطلح، نصه: «متلازمة ماسادا هى حالة أعضاء جماعة بشرية لديهم اعتقاد مركزى بأن بقية العالم خصوم يضمرون لهم نوايا سلبية». لكن المصطلح لم يتوقف عند تشخيص حالة نفسية جمعية، بل انتقل لتشخيص حالات فردية، منها حالة شهيرة فى عالمنا العربى وتاريخنا المؤلم القريب. وسأبدأ بها فى الأسبوع القادم، إن أحيانا الرحمن.

( نقلا عن : جريدة الشروق )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.