محمد فتحى يكتب|حين مسح إسرائيلى حذاءه بالعلم المصرى!!!

محمد-فتحي

كان ذلك على الحدود المصرية – الإسرائيلية عام 1990.

جندى مصرى يقف فى خدمته، ويتبادل نظرات باردة مع ضابط إسرائيلى على الجانب الآخر.

فجأة.. طار العلم المصرى الذى لم يكن مثبّتاً جيداً، ليسقط بالقرب من الإسرائيلى، فينظر هذا الأخير إلى المصرى بسخرية، ثم يلتقط العلم المصرى و.. ..

ويمسح به حذاءه.

لا بد أن المصرى غضب، ولا بد أنه لم يكن يعرف الكثير من العبرية، لكنه بالتأكيد شتمه بكل ما يملك من حصيلة مصرية لا تنضب من الشتائم، وقد غلت الدماء فى عروقه.

بعدها بأيام، ولسبب ربما كان يستدعى التحقيق مع الجندى المكلّف برفع العلم المصرى، طار العلم من جديد، ليسقط عند نفس الضابط الإسرائيلى، الذى حاول التجديد هذه المرة، وهو ينظر إلى نفس الجندى المصرى بسخرية، وهكذا.. تبول على العلم!!!

كاد المصرى أن يبكى.. لكنه لم يكن يستطيع أن يفعل أى شىء..

على الأقل الآن..

وطوال 46 يوماً تالية، كان كلما رأى الضابط الإسرائيلى قال متمتماً: «طلبت موتك يا عجل». وظل الجندى يدرس أوقات مرور الدوريات الإسرائيلية، والأوتوبيسات التى تنقل العاملين فى المكان، وعدد ساعات خدمة الضابط، ومواعيدها، ويتبادل معه نفس النظرات الباردة حتى كان هذا اليوم الذى لا ينساه.

فى السادس والعشرين من نوفمبر عام 1990، سرق أيمن محمد حسن بعض الأسلحة من وحدته العسكرية، وقرر أن ينتقم لإهانة العلم.

توغل فى الحدود الإسرائيلية من نقطة حدّدها من قبلها بدقة، وانتظر قليلاً حتى بدت حافلتان إسرائيليتان يعرفهما جيداً فى الأفق، وهنا شد أجزاء سلاحه وهو يتمتم بكل ما يرد فى ذهنه من آيات القرآن الكريم، وينتظر، وينتظر، وينتظر، و.. ..

ويبرز فجأة على بُعد ما يقرب من 20 متراً من السيارة العسكرية، ويفتح النار.

وبعد قليل كانت رصاصات مصرية تستقر فى أجساد 21 إسرائيلياً من بينهم الضابط، وضابط آخر من جهاز المخابرات الحربية الإسرائيلية (أمان)، إضافة إلى إصابات عديدة للآخرين الذين لم يستوعبوا المفاجأة لحظتها.

وبسرعة عاد أيمن حسن إلى وحدته، وهو لا يعانى سوى من جرح بالرأس.

عاد وسلّم نفسه إلى وحدته العسكرية، مؤكداً أنه انتقم للعلم، وللفلسطينيين الذين قُتلوا فى مذبحة الأقصى الأولى.

فيما بعد جرى كل شىء بسرعة. تمت محاكمة «أيمن» محاكمة عسكرية، وحُكم عليه فى عام 1991 بالسجن لمدة 12 عاماً، ودخلت العملية بتفاصيلها وتفاصيل تسويتها فى أدراج المخابرات الحربية المصرية، وخرج «أيمن» عام 2000، ليبدأ حياته شاعراً بأنه بطل.

أيمن حسن أدرك أن العلم ليس مجرد قطعة قماش يحرقها أحدهم، أو يزايد بها آخر على كل مَن حوله، بل رمز يجب أن يُحترم، واستُشهد من أجل أن يرتفع مئات من المصريين عبر كل الأجيال والأنظمة، ولذلك فعل ما فعل.

لكن القصة لم تنتهِ بعد.

عرفت «أيمن» قبل عامين من خلال صديقنا الروائى محمد سامى البوهى الذى دعاه كضيف شرف لحفل توقيع روايته «سكتيرما»، وكتبت قصته قبل عامين، وكتب عنها الصديق بلال فضل، ولا أعرف ماذا فعلنا مع «أيمن» الذى كان يعمل وقتها سباكاً يبحث عن عمل ثابت، بدلاً من «تنطيط الشغلانات»، ثم نسى الجميع «أيمن» من جديد.

لكننى لم أنسَ تاريخ العملية، ولا شرف رجل لم يتاجر ببطولته، بقدر ما تاجر آخرون بها، وهو الآن فى طى النسيان، رغم أنه يستحق التكريم، فى الوقت الذى نسى فيه كثيرون، فى ظل الخلافات والخناقات السياسية، أن عدونا ما زال كما هو.. إسرائيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.