محمد فتحى يكتب|سيبوهم يموتوا

محمد-فتحي

الله العظيم أقول الحق..

أيوه.. رأيتهم جميعاً يموتون.. لم أكن أريد لهم أن يموتوا هكذا، أو يموتوا الآن، أو يموتوا أمامى، لكنهم ماتوا، وكلهم غارقون فى دمائهم.

هؤلاء الذين كانوا بجوارى منذ قليل يضحكون أو يغنون أغانى وطنية، أو يهاتفون أهاليهم ليطمئنوهم، أو يغلقون المكالمة مع حبيباتهم اللواتى شعرن بقلق غريب عليهم، أو يتفقون على موعد المقابلة بعد ساعة، فجأة سقطوا كالحجر أمامى، وللوهلة الأولى ارتبكت، تقدمت خطوة، ثم تراجعت مع صوت الرصاص والغاز الكثيف الذى انطلق ناحيتنا، لكن آخرين حسموا أمرهم وأسرعوا إلى من استطاعوا الوصول إليه يحملونه، بينما استطعت أخيراً التحرك إلى المستشفى الميدانى، وقلبى يخفق فى عنف..

والله العظيم أقول الحق..

أيوه.. أنا طبيب ميدانى، وكنت هذا اليوم هناك، وبغض النظر عن رأيى السياسى كنت أؤدى عملى الذى لا أستطيع تأديته فى مستشفى حكومى محترم؛ لأن المرتب لا يكفى، ولأن البلطجية يهاجمون استقبال المستشفيات ويضربون الأطباء دون أن يردعهم أحد، ولأن المستشفيات الخاصة عالم آخر لم أستطع اختراقه بحكم المافيا الحاكمة له. لكننى الآن أرى موتَى يسقطون.

والله العظيم أقول الحق..

نزلت يوم 28 يناير، وكنت موجوداً طيلة الـ18 يوماً، ونزلت فى «محمد محمود»، وذهبت إلى المشرحة أودع أشخاصاً عرفتهم قبل موتهم بلحظة، وأحطت مجرى الدماء على الأسفلت بأحجار ظناً منى أن ذلك سيبقى ذكرى أصحابها الذين رحلوا دون أن يدركوا أنهم قُتلوا فى سبيل قضية خاسرة بفضل الخونة والمتاجرين بدمائهم، وكانوا جميعاً يزوروننى فى أحلامى، وأرى وجوههم وأجسادهم المخترَقة بالرصاص إذا وليت وجهى يميناً أو يساراً، وحين أسعل أشم رائحة الغاز التى لم تفارقنى بعدُ، فتدمع عينى لا إرادياً، ويضيق صدرى ولا ينطلق لسانى، وإن أغمضت عينى قليلاً أسمع الصراخ المتداخل الذى لن أنساه أبداً: «عينيييى».. «شيلوه بسرعااااا».. «حراااااام».. «انزلووووا».. «يا ولاد الكاااااالب».. «لأااااااااااا».. «إسعااااااااف».. «لييييييه».. «دكتور بسرعااااااا».. «حسبنا الله ونعم الوكيل».

والله العظيم أقول الحق..

كنا نكتب على «تويتر» و«فيس بوك»: «محتاجين بيتادين وسالاين وقطن وشاش وأدوية مخدرة عند المستشفى الميدانى»، لكنهم كانوا يقبضون على كثيرين ممن كانوا يريدون أن يوصلوا لنا الأدوية، كما تكفل البعض بسرقة بعض الأدوية.

لا تتعجب.. الكلاب دائماً تجد لها مكاناً حتى فى المعارك الشريفة؛ لأن أحداً لم يفهم قبل ذلك أنها كلاب!!

والله العظيم أقول الحق..

حين نزلت إلى «رابعة العدوية» لم أكن «إخوان»، والله العظيم أنا أكرههم كما أكره حماقات الثوريين وكذب الليبراليين ونذالة الشرطة وقذارة قيادات البلد فى أى عهد، ولكن نزلت، كما نزلت من قبل. نزلت بعد «الحرس الجمهورى» تحديداً..

لا تطلب منى رأيى فى الحادثة ولا فى الإخوان، فلم تطلبه منى من قبل، ولو طلبته لرددت عليك بنفس الرد: أنا نزلت حتى أستطيع أن أضمد جراح أحدهم، أو أجعل آخر ما يراه الآخر ابتسامتى وسط وجعه الذى سينتهى إلى الأبد بعد قليل، بينما يطاردنى وجهه مع باقى الأشباح والأموات التى تجلس معى وأشم رائحة أنفاسها ممتزجة بطعم الدماء على حلقها، ولذلك كنت هناك..

أمس، مات طفل فى اشتباكات وسيموت آخرون فى مسيرات، وسأظل ألوم نفسى على شىء لا أعرفه، وكأن الأطباء يملكون أن ينقذوا الجميع من موت سيختطفهم هم شخصياً يوماً ما إذا ما قرر أحدهم أن المستشفى الميدانى وأطباءه خطر على الجميع مثلما اعتقلوا أطباء من المستشفى الميدانى فى «رابعة» بلا تهمة، واعتبروهم إرهابيين وساووا بينهم وبين من حمل سلاحاً من الإخوان أو مؤيديهم، لكن لا شىء يهم ما دام المنطق السائد هو: سيبوهم يموتوا.

(ملحوظة: السطور السابقة لا تخص شخصاً بعينه، ويمكنك اعتبارها قصة خيالية أو مخططا ماسونيا لأى حاجة).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.