محمد فتحى يكتب | أسرة بديلة أفضل من بكاء لا يكفى

محمد فتحى يكتب | أسرة بديلة أفضل من بكاء لا يكفى

محمد-فتحي

كانت هذه هى الزيارة الأولى لجمعية الأورمان، وتحديداً لإحدى دور رعاية الأيتام التى أنشأتها الدار. يخبرنى مصطفى زمزم، المستشار الإعلامى، كيف عانوا الأمرين لتغيير فكرة (الملجأ) التى ترسخت فى أذهان الكثيرين وعلى رأسهم الحكومات المتعاقبة. كلمة (ملجأ) نفسها تؤثر نفسياً بشكل سلبى على الطفل الذى وجده أحدهم مصادفة بعد أن تركه أهله أمام باب جامع أو فى صندوق القمامة، القصص مؤلمة، ستبكيك حتماً لو كان قلبك لا يزال قابلاً للشعور بغيرك، ومنها مثلاً الطفل الرضيع الذى وجدوه مربوطاً فى (شنطة زبالة)، ظل أحد الكلاب يعبث بها فكاد أن يخنق الطفل بعد أن شد الغطاء على رقبته. سمع أحد المارة صرخات طفل رضيع، فالتقطه وتوجه لأقرب قسم شرطة. فى القسم يقومون بعمل محضر ويختارون اسماً عشوائياً للطفل اللقيط، وقد يكون على اسم أحد الضباط أو أمناء الشرطة، قبل أن توجه النيابة الطفل إلى أحد دور رعاية الأيتام على سبيل الأمانة!!

لو كان حظ الولد عاثراً، سيوجهونه لوزارة الصحة التى تتعاقد مع (مرضعات) يقمن برعايته مقابل أجر شهرى زهيد ربما لا يتجاوز 200 جنيه لترعاه بمنتهى الإهمال وترضعه حتى يبلغ العامين، فتسلمه بمحضر آخر للشرطة التى تضعه فى إحدى الدور الحكومية لرعاية الأحداث، ولكم أن تتخيلوا ما سيصير عليه هذا الطفل بهذه الرعاية، أما لو كان حظه جيداً فستوكل النيابة رعايته لدار كبيرة مثل الأورمان التى تتلقى العديد من التبرعات لكفالة اليتيم، مما يساعدها فى الصرف عليهم، وتوفير أمهات بديلة أغلبهن من ذوى المؤهلات العليا. زرت الدار وشاهدت الغرف وطريقة المعاملة لأطفال أكبرهم لم يبلغ عامه الثالث بعد، ثم شرحت لى «هبة»، مديرة الدار، بقية المأساة. كل الأطفال دون الثانية فى مرحلة الرضاعة يحتاجون أماً بديلة، وتبذل الدار جهداً كبيراً لإدماج الطفل بأسرة تكون فى الغالب تعانى من العقم وفى حاجة لأطفال، فيتوجهون للشئون الاجتماعية التى تقوم بفحصهم والتأكد من أنهم قادرون على رعاية الطفل، وتشترط كونهم من المؤهلات العليا، وتعطيهم إذناً -بعد العديد من الإجراءات الرخمة- لاختيار طفل يستريحون له من الأطفال الرضع، وهنا تأتى مشكلة شرعية فى صلة الطفل بالأم، وهو ما حصلت به الدار على فتوى من دار الإفتاء بوجوب إرضاع الأم له خمس رضعات مشبعات، ليحرم عليها ويصير مثل الابن، أو ترضعه إحدى شقيقاتها لتكون هى محرمة عليه، أو يساعدها جهاز استوردته الدار من فرنسا على إدرار لبن الرضاعة لإشباع الطفل الذى يصير ابناً لهم، دون تبنى، ويفضل -نفسياً وشرعياً- أن يقال له فيما بعد أنه ابن أحد أقاربهم الذى توفى هو ووالدته فى حادثة فعهدوا إليهم برعايته، لأن الحقيقة دائماً مؤلمة ومضرة وغير مأمونة النتائج. وتتابعهم لجنة من الشئون الاجتماعية بين فترة وأخرى لتتأكد من أن الأسرة تتعامل بشكل طيب مع الطفل الذى يكبر داخل أسرة ترعاه وتعوضه عن تلك التى تخلت عنه وألقته فى الشارع.

أما بعد سن العامين، يصبح الطفل كبيراً بالنسبة للدار، فتستمر فى رعايته، ويستمر فيها حتى يكبر، شاعراً بكل أحاسيس اليتم والمهانة والألم مهما كانت رعايته على أعلى مستوى، لأنه، نفسياً، يدرك حقيقة وضعه، ويعرف أنه سيظل حبيساً فى دار لرعاية الأيتام.

دار الأورمان وحدها أوجدت ما يقرب من 3500 أسرة بديلة، لـ3500 طفل، وترعى كل من كبر فى السن، ولديها الآن -وحدها- 250 طفلاً يبحثون عن أسر بديلة، قبل أن يكملوا العامين من أعمارهم.

من فضلك.. تخيل كل طفل فيهم ابنك، أو احتضن ابنك واحمد الله على نعمة أنه نشأ وسط والديه فى جو أسرى يعينه على أن ينشأ نشأة كريمة بشكل أو بآخر، ثم فكر: كيف يمكنك أن تساعد هؤلاء؟

نحتاج لقنوات وصحف محترمة تدعم هذا الموضوع وهذه الثقافة قبل حلول يوم اليتيم فى الجمعة الأولى من أبريل القادم، ولإعلاميين ورياضيين ووجوه محبوبة من المجتمع، ودعاة محترمين، ومثقفين ينشرون هذه الثقافة، وقبل كل ذلك إدراك من الحكومة ومن المجتمع..

نحتاج لأن نترك مصمصة الشفاه والدموع، ونفكر فى مساعدة هؤلاء الأطفال ونزع فتيل أزمة قد تنفجر فينا جميعاً إذا لم نحلها الآن.

نحتاج إلى أسر بديلة ترعى هؤلاء، وتكفلهم.. فهل يمكنك أن تساعد؟

(أعيد نشر المقال لأنى أعتبره فرض عين علينا جميعاً أن نساعد فى الأمر، ولن تكون هذه هى المرة الأخيرة التى أكتب فى هذا الموضوع، ولا أريدها أن تكون كذلك بالنسبة لك، فقد عرفت وأصبحت شريكاً، بالمساعدة والدعاء والتضامن، أو بالطناش وتكبير الدماغ، وساعتها لن نقول لك سوى: الله يسامحك).

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:الوطن

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.