محمد فتحى يكتب| أول يوم مدرسة

محمد-فتحي

ظبطك للمنبه.. محاولات إيقاظ أبنائك، ومِن قبلهم جهادك فى إيقاظ نفسك وأنت تقول/تقولى فى سرك: «توب علينا من شغل البيوت يا رب». قرآن السادسة صباحاً الذى ينتهى تماماً فى السادسة والنصف، معلناً جرس إنذار لاقتراب وقت النزول. خناقات شرب اللبن، وبَوَشَان البقسماطة فى الكوباية، والطرطشة غير المتوقعة رغم حدوثها كل يوم، ثم شخطتين يبكى بعدها أطفالك، لتربت عليهم ويدخلوا فى حضنك ولا كأنهم أغضبوك منذ قليل أو ارتكبوا خطأً روتينياً، ثم تحضير الساندوتشات، وتأكيدك على أنهم يجب أن يأكلوها بالكامل، مع التحذير من إخراج اللانشون من قلب الساندوتش وأكله حاف، ثم شكوى العيال من العيش الفينو الذى (برول) أثناء عمل الساندوتش رغم أنه كان طازة بالأمس، ووقفت عليه بالطابور على الفرنة، رافضاً محاولاتهم لإقناعك بشراء الفينو الصغير (ريتش بيك) لأن طعمه لا يعجبك، كما أنه أصغر من المعتاد، وأغلى سعراً من الطازة!!!

تحضير الشنطة مع العيال سيذكّرك بذكريات أليمة لها علاقة بفقرات ظهرك التى اشتكت من حمل الشنطة التى هى عقاب مصرى أصيل لكل من تسوّل له نفسه أن يتعلّم فى مدارس مصرية، ثم تأكيدك على ابنك ألا يشوط الطوب والزلط بالحذاء الجديد الذى اشتريته فى آخر وقت، رغم أنك شخصياً كنت صاحب الرقم القياسى فى تبويظ الجزم نتيجة شوطك للدوم ولعب الكرة بكانوات عصير قها. فِصال المصروف ووصاياه العشر بألا يشترى «بوزو أو شيبسى» (عشان الديدان)، وألا يحضر مِلبس وشيكولاتة ومصاصة (عشان سنانه)، وألا يشترى عصائر بسبب المواد الحافظة، أو «بيبسى» لأنه يسبب هشاشة فى العظام، فيكون السؤال المنطقى: «أُمال أشترى إيه يعنى يا بابا»، لترد بحكمة الأب المصرى، أو تردى كأى أم (أروبة): «وتشترى ليه.. معاك ساندوتشاتك.. بلاها مصروف»!!!!! لكنه سيأخذ المصروف، وسيشترى البوزو والشيبسى ويأكل الشيكولاتة والملبس ويشرب العصير والبيبسى لا لشىء إلا لأنه سيفعل ما تحذّره منه بإصرار غريب، توحى طريقته بأنك كنت تفعل ذلك فى صغرك يا خلبوص (وجاى تعملهم ع العيال).

هناك خناقة (تسريح الشعر) عند البنات، واختيار التوكة، ورغبة الأم فى أن يكون (ديل حصان) بينما البنوتة الجميلة ترى أنه يجب أن يكون (قطتين)، مع الحرك والفرك بسبب ضيق الشراب الكولون، وطلب اللبانة التى تبلعها عادة بعد أن ينتهى طعم السكر فيها، لتتجدد الخناقة، وتكون وظيفة الأم هى التأكد من وجود اللبانة فى فم ابنتها وهى تسرح شعرها وتبكى وتفرك وتريد اللحاق بموعد المدرسة، وبعد أن تفعل كل ذلك، وعلى باب المنزل تطلب البنوتة الجميلة أن تعمل (ببيه)، وأن تدخل الـtoilet!!! وتقول دراسات لم يتم إجراؤها إن هذا الطلب الأخير هو السبب فى انتشار القرع عند الزوجات المصريات صغيرى السن بسبب شدهن لشعورهن كل صباح.

ستتوتر بسبب تأخيرك على النزول إلى (الباص) لا سيما أنك تريد أيضاً اللحاق بعملك، ثم تتوتر بسبب تأخير الباص أصلاً، وربما بسبب عدم وجود شىء تركبه وأنت توصل ابنك، ولو حتى توك توك، أو مشيه البطىء معك وتعثّره بين الحين والآخر، أو (شيلنى يا بابا) وكأنه لا يستطيع المشى، ثم ستقف على باب المدرسة وتقبّله وأنت تعمل له باى باى راجياً الله ألا يبطح أحداً، وألا يبطحه أحد فى مدارس، القاسم المشترك فيها ليس التعليم، وإنما أن يأتى ابنك مبطوحاً، ويرد الناظر والمدير بابتسامة سمجة تؤهله لعمل إعلانات معاجين الأسنان، وهو فاشخ ضبه: «معلهش.. عيال مع بعض».

أنت تعرف طبعاً أن هناك مرحلة ما بعد العودة من المدرسة، ومعركة عمل الواجب، وخناقة: ماكلتش الساندوتشات لييييييه، والتى قد تردد معها: شقى عمرى ضاااااع.. الملااااحة، ثم توسلاتك لهم أن يناموا وألا يسهروا حتى لا يتعبوكم ويتعبوا اللى جايبينكم ويسمّعوا الناس أصواتكم فى مشارق الأرض ومغاربها وأنتم توقظونهم فى اليوم التالى، وفى الأثناء مطلوب منك ومن أمهم الاعتناء بالمنزل، وممارسة واجبات اجتماعية، والذهاب والعودة من العمل، و(عمايل) الأكل للغداء والعشاء، وغسيل الملابس، واستجواب العيال عما حدث لهم فى يومهم، وغيرها وغيرها من التفاصيل التى تعرفها جيداً، ورغم كل (قرفها) تعشقها، وتشعر بانبساط وأنت ترى العيال بزى المدرسة، وتسمع صوت النشيد فى طابور الصباح الذى تمارس من أجله أقصى درجات الثبات الانفعالى حتى لا تتهور وتدخل لتحضره وأنت تتبع تعليمات مدرس الألعاب وهو يقول: مدرسة صفااا.. مدرسة انتبااااه.

لكن أرجوك. بالله عليك. وحياة أغلى حاجة عندك. بحق فرحتك بأبنائك، لا تنس أطفالاً آخرين لن يمروا بنفس التفاصيل، لأن أهاليهم ماتوا بسبب ثورة أو مظاهرة أو فض أو إرهاب.

من المؤكد أنك تعرف بعضهم. وبغض النظر عن رأيك فيهم وفى أهاليهم الذين رحلوا، حاول أن تطبطب عليهم وتكفكف دموعهم، وتتولى مساعدتهم ورعايتهم والاطمئنان عليهم من حين لآخر، ولتعتبرهم مثل أبنائك، وكل سنة وأنت طيب ومحترم ولم تدفن إنسانيتك بعد.

المصدر: جريدة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.