محمد فتحى يكتب | ابحث عن عنوان مناسب للمقال

محمد فتحى يكتب | ابحث عن عنوان مناسب للمقال

محمد-فتحي

■ يمكن أن نبدأ المقال هكذا:

محمد عيد عبدالسلام عيد.. مقدم شرطة يعمل فى جهاز الأمن الوطنى فى الزقازيق، كان يركب سيارته فى ميدان القومية بالزقازيق فى الرابعة عصراً..

فيم كان يفكر لحظتها؟؟

هل كان يفكر فى أهله الذين لم يرَهم من فترة بانتظام لأنه ينزل يومياً فى مواعيد غير معتادة، ولا يدرك هل سيعود أم لا؟؟ هل كان يفكر فى أقساط لم يسددها بعد، ومرتبات الشرطة التى يجب تحسينها؟؟ هل كان يفكر فى مشكلات عمله وماذا سيفعل مع هؤلاء الإرهابيين الذين يطاردهم؟؟ أم كان يفكر فى محادثة سابقة مع طبيب صديقه من الزقازيق، الطبيب اسمه أحمد، وقد سأله عن زوجته التى انتقبت، وهل سيتم استدعاؤها فى أمن الدولة لتوجيه أسئلة كما نسمع؟؟

اندهش المقدم محمد ورد عليه: يا دكتور أحمد النقاب فضيلة.. ولا يستطيع أحد أن يمنعها من لبس النقاب.. ألف مبروك. يتساءل المقدم محمد فى ذهنه: لماذا اندهش أحمد من مباركته له على نقاب زوجته؟ ومن المسئول عن ترويج ما مفاده أن ضباط الأمن الوطنى (مايعرفوش ربنا)؟

يعترف المقدم محمد بينه وبين نفسه أن هناك ضباطاً يتجاوزون بالفعل، وهم الذين أساءوا لسمعة «الداخلية» كلها، لكن كل المهن هكذا، فيها المحترم، وفيها الفاسد والقذر، وهو شخصياً قرر أن يراعى الله فى مهنته، وأكل عيشه و…

فجأة تمر بجواره سيارة فيها مسلحون، وقبل أن يلتفت أو يفكر حتى فى أن يستل مسدسه الميرى، أفرغوا الرصاص فى جسده، وسط صرخات المارة، ثم أغمض محمد عيد عينيه للمرة الأخيرة، ومات.

نعاه أصدقاؤه الطيبون الذين لم يشعروا يوماً أنه ضابط أمن وطنى، وغيّروا صور بروفايلاتهم لصورته، أو لسواد كامل حداداً على استشهاده، وكتب د. أحمد مؤكداً أن محمد عيد كان طيباً ومتديناً وبارك له على نقاب زوجته، بينما كتب عمر الشافعى (الثورى المحترم) عن (صديقه الجدع) الذى استشهد.

سيكتب الكاتب ما مضى من سطور متألماً، لكن غيره سيصنفه على أنه باع القضية، وأنه (تبع) الداخلية، وأنه يكيل بمكيالين لأنه لم يذكر هؤلاء الذين عذبهم الأمن الوطنى وكيف أنه جهاز قمعى فى حاجة لإعادة هيكلة.

■ يمكن أن يبدأ الكاتب مقاله هكذا:

نشرت «الوطن»، أمس، شهادات مرعبة عن تعذيب وإهانات وقبض عشوائى يتم للعديد من الحالات، ومنهم المحامى أحمد هليل الذى قال إن «الشلوت» يكون رداً على من يعصى أوامر «الداخلية» التى قبضت عليه عشوائياً بتهم ملفقة، وكمال أحمد، مريض الصرع، الذى قضى ستين يوماً بين «طرة» و«أبوزعبل»، والذى أفرج عنه النائب العام إفراجاً صحياً فيما بعد، وفادى سمير، المسيحى الذى قالوا عنه إنه إخوان، وحين نفى وأكد أنه مسيحى قالوا له: خلاص.. تبقى «6 أبريل»، وهى الشهادات والحالات الموثقة من عدة جهات حقوقية.

سيكتب الكاتب ما مضى من سطور لاعناً المساحة التى تجعله لا يستطيع كتابة كل الشهادات والمطالبة بالتحقيق فيها، لكن غيره سيتهمه بأنه (يهد الشرطة) وأنه (كلام مرسل) وأنه (يكره الداخلية) وأنه يتناسى الشهداء والضباط والجنود الذين يموتون ولا يتذكر سوى ما تقوله جهات حقوقية عميلة، تتناسى كل ما يحدث للجيش والشرطة ولا تتذكر سوى مثل هذه القضايا لتحصل على تمويل وتشوه صورة مصر فى الخارج.

■ يمكن أن يكتب الكاتب مقاله ناعياً شهيد الواجب والشرطة، وداعياً لعقاب قاتليه وسرعة إلقاء القبض عليهم، وكشف الملفات التى كان يشرف عليها الرجل لنعرف المستفيد من قتله، وفى نفس الوقت يدعو الكاتب لعدم تجاوز الشرطة القانون والكف عن القبض العشوائى الذى يحدث كثيراً، والمعاملة السيئة التى يتلقاها كثيرون مع التحقيق فى كل الوقائع المرتبطة بهذه الحالات، لكنه سيجد من يقول له إن مسك العصا من المنتصف خيانة، وإن موقفك غير واضح، وإنك ألعن من أعداء مصر.

■ يمكن للكاتب ألا يكتب عن الموضوعين، ليتحدث عن أى هبل فى الجبل، أو يلعب دور «الشرشوحة» الذى يلعبه الكثير من الكتاب فى (الردح) لكل من يخالفهم الرأى، لكنه لن يحترم نفسه أبداً بعد أن يفعل ذلك.

■ يمكن للكاتب أن يكتب كل ما مضى، ويتركك تضع العنوان الملائم للمقال بحسب اتجاهك، وأفوض أمرى إلى الله، إنه بصير بعباده، ومطلع على ضمائرهم، وإليه الأمر من قبل ومن بعد، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

 

 

 

 

المصدر:الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.