محمد فتحى يكتب | اللى يزعل يزعل

محمد فتحى يكتب | اللى يزعل يزعل

محمد-فتحي

 

(1)

يسألنى أحد الأصدقاء من القراء فى معرض الكتاب: وانت إيه رأيك فى ترشح السيسى؟؟ فأرد: وأنا أهبل عشان أقول لك؟؟

(2)

كانت هذه هى أول انتخابات رئاسية حقيقية يدخلها أكثر من مرشح، ولا تعرف نهايتها، أو من يفوز بها. أخرجنا أسوأ ما فينا حين عاير كل منا الآخر بمرشحه، ثم انتهت الأمور إلى صدام كارثى بين «مرسى» و«شفيق». قاطع البعض ومارس هوايته فى السخرية من الآخرين دون تقديم وجهة نظر يمكن التعاطى معها بشىء من المنطق، واختار الباقون مرشحهم وفق حساباتهم التى أثبت الزمن صحتها أو خطأها، أو وفق مرجعيته الأيديولوجية التى لبسته فى الحيطة فيما بعد، أما الكُتاب وأصحاب الآراء الواضحة، فقد تعامل معهم الجميع على أنهم خونة لأنهم تجرأوا ودعموا أحدهم، ثم يأتى صديقى ليسألنى عن رأيى فى ترشح «السيسى» للرئاسة، وينتظر منى جواباً سيحاسبنى عليه ما تبقى له ولى من عمر. والسؤال: هل يهمك رأيى فعلاً؟؟

(3)

انتهى زمن الكاتب المرشد أصلاً. كل شخص يختار وفق قناعته التى تستند إلى هوى أو إلى منطق، لكنه فى النهاية يلوم غيره فى أى خطأ يقع بسبب اختياره أو اختيار غيره ولا يلوم نفسه أبداً، وإذا اعتذر الكاتب عن رأى أو عن موقف لا تأخذ القراء والزملاء به شفقة ولا رحمة لأننا -ببساطة- شعب لا يقبل التوبة، فإذا أضفنا إلى ذلك الجو (الكارثى) الذى يحيط بنا من تصفية حسابات وانتقامات شخصية وجمعية من كل من عانوا طوال السنوات الثلاث السابقة من مضاعفات ثورة يناير، لتتحول قنوات بأكملها إلى (مصطبة) يخرج المذيع أو المذيعة عبرها ليمارس (شرشحته) لكل من تسول له نفسه أن يغرد خارج السرب، ليلحق به أذى ما بعده أذى نصبح أمام جو غير مؤهل لكى تقول رأيك أصلاً تاركاً الساحة لكل من يريد أن يدلو بدلوه. هم يرونك فاشلاً عميلاً رخيصاً متلوناً طالما لست منهم، فإن أصبحت كذلك فى لحظة عبثية -وأغلب ما نحياه عبث- تتوافق فيها بعض آرائك مع آرائهم، رآك المعسكر الآخر بنفس الأوصاف، لكنهم لا يتوقفون أبداً عن سؤالك: رأيك إيه؟؟

(4)

الكاتب الذى نعرفه مسئول عن تنوير الناس بشكل كبير. مقاله بالنسبة لهم بقعة ضوء تساعدهم على أن يسيروا، ويجب ألا يكون طرفاً فى المعادلة ينغمس فيها بشخصه، أما آراؤه فهى تخصه وحده يتفق أو يختلف معها من يريد دون الدخول فى نيته. هكذا علمونا، وهذا ما لم نرَه أبداً.

(5)

تسألنى عن العبث وأجيبك: هناك ثورة تحولت لمؤامرة، ومؤامرة تحولت لثورة، النذل صار بطلاً والبطل صار نذلاً. كل من يشكو من شىء فعله بنفسه حين جاءت له الفرصة، وكل من يستطيع تصفية حساباته ولو باسم مستعار من وراء «كيبورد» فعل ذلك بمنتهى الأريحية. هناك مباركة للبطش، فى ظل غباء الفعل، وغياب رد فعل محترم. هناك من يتاجر بشرفه ويقامر به لأن الشرف ما أكّلهوش عيش، وهناك من يقدم نفسه على أنه موضوعى ومنصف لكنه ينحاز إلى طرف دون الآخر، وهناك من مل الجميع، فكرهه الجميع وهاجموه!!

هناك كذب يمارسه الكل، حتى هؤلاء الصادقون الذين اختاروا أن يروا بعين واحدة، وهناك استعذاب لإدانة الجميع فى لحظات اليأس، وسقوط لرموز كبيرة فى كل المجالات حتى لم يبقَ لدينا رمز، ولو جاءنا نبى مرسل لكفرناه حقاً وصدقاً.

والأهم من كل ذلك: هناك دماء.. دمااااااااااااء.

تركناها ورحنا نكمل مسلسلنا الذى لا ينتهى أبداً، ولا عزاء لطفل فقد والده فى حادثة إرهابية قام بها الإرهابيون، أو قام بها من يحمل صفات رسمية.

(6)

تسألنى عن رأيى فى ترشح «السيسى»؟؟

وكأنك لا تعرف أنه سيترشح، وكأنك لا تدرك أن لديه شعبية حقيقية ولو كرهت، وكأنك قدمت بديلاً غير تحويل الناس لفئران تجارب، ثم السخرية منهم حين ينقلبون عليك.

تسألنى عن رأيى فى ترشح «السيسى»؟؟

هل يهمك رأيى سوى فى تصنيفى بعد ذلك كخائن أو متلون أو بائع للقضية؟؟ هل سيمثل فعلاً رأيى إليك إضافة سوى فى عملية الغربلة والتصنيف والإقصاء التى تتبعها؟؟

هل تظن أن الكاتب يملك فعلاً ناصية الحق والحقيقة المطلقة؟؟

الكاتب أيضاً بشر.. يخطئ ويصيب.. يرتبك فى المشاهد العبثية، ويكتئب حين يرى بلده بهذه الطريقة، وكهنة المعبد الجدد نصبوا أنفسهم فى وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعى للانتقام من الجميع.. الجميع بمعنى الكلمة.

وسط حالة السعار التى تراها أنت وتعرفها وتكون أحياناً جزءاً منها، ويكون الكاتب كذلك.

لا تسألنى عن رأيى..

ولتسأل نفسك: هل قدمت البديل؟؟ وهل تملك الرؤية؟؟

الأسبوع القادم، إن شاء الله، نخصصه لبواقى الفضفضة، واللى يزعل يزعل.

 

 

 

 

المصدر:الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.