محمد فتحى يكتب | عن المهنة التى «لمّت»!!..

محمد فتحى يكتب | عن المهنة التى «لمّت»!!..

محمد-فتحي

بعيداً عن أصدقائنا وزملائنا المحترمين، والقابضين على جمر مهنيتهم، وبعيداً عن كل صحفى وإعلامى يمتلك ضميراً يقظاً لم يذهب فى غيبوبة، أو يبيعه فى سوق النخاسة، وبعيداً عن زملاء ينزلون لميدان العمل مخاطرين بحياتهم بدلاً من الجلوس فى مكاتب مكيفة فى انتظار تليفون، وبعيداً عن كل صحفى كبير المقام مهما كانت سِنّه صغيرة لمجرد أنه يحترم نفسه، ويرى فى المهنة سلطة رابعة، وما زال يعتبرها صاحبة الجلالة.

للأسف الشديد.. للأسف.. الشديييييد

الصحافة فعلاً لمّت..

فى مصر 90 مليون مواطن، نصفهم على الأقل يستطيع القراءة والكتابة، ونصف هؤلاء على الأقل يستطيعون شراء الصحف، ومع ذلك فتوزيع جميع.. هه.. جميييييع الصحف المصرية، مجتمعة، يومية، وأسبوعية، وشهرية، وفصلية، لا يتعدى 700 ألف نسخة.

صحيح أن خدمة الإنترنت انتشرت للدرجة التى تجعل الناس تحجم عن عادتها اليومية بشراء الصحف، لكن هؤلاء الذين لا يستطيعون الاستغناء عن رائحة ورق الصحف المطبوعة، ويتناولون قهوة الصباح، أو يجلسون فى مترو الأنفاق، أو يرتاحون على محطات الباص، وهم يمسكون بالصحف الورقية، يبدو أنهم قرروا أن يعاقبوا مهنة الصحافة التى «لمّت».

الصحافة «لمت» فعلاً.

لمت صحفيين يفبركون الأخبار.. طمعاً فى زيادة كشف إنتاجهم.

لمت محررين يقفون على النواصى، أو يجلسون على مقاهى البورصة ووسط البلد ليحولوا أحاديث النميمة وكلام المصاطب إلى أخبار يظنون أنها مهمة ومحترمة.

«لمت» كتاب «شراشيح» بالمعنى الحرفى.. يسهل أن تجدهم «يردحون» فى مقالاتهم، ويقذفون الناس فى أعراضهم وشرفهم، ويأتون بسيرة الزوجات والأمهات، والكتابة عندهم فعل بيولوجى أكثر منها فعلاً إبداعياً، يمكنك وأنت مرتاح الضمير أن تقول لهم بعد قراءة ما يكتبون: شفيتم.

لمت «أمنجية» بالمعنى الحرفى.. ناس شغلهم الشاغل انتظار مكالمة من أحد الضباط فى أحد الأجهزة الأمنية لكى «يدردشوا» معهم فيحولون هذه الدردشة إلى «مقال» أو «خبر» أو «تحقيق» أو «حملة صحفية» دون التيقن حتى من صحة ما وصل إليهم.

الصحافة «لمت» عبده مشتاق يحلم أن يكون عضواً فى حملة فلان الرئاسية، أو صديقاً للمسئول العلانى، أو من هؤلاء الذين تتصل بهم شخصيات نافذة لتدعوهم إلى الغداء ومزيد من جلسات النميمة.

الصحافة «لمت» خدامين وشماشرجية لرجال أعمال كبار، و«لمت» صحفيين فن يكتبون بمقابل مادى، ومحررين كل حلمهم أن يأتوا بإعلان لكى يأخذوا منه نسبتهم التى تعينهم على الحياة.

الصحافة «لمت» منتسبين إلى المهنة لا يراعون أبجديات الصحافة، ويخلطون الخبر بالرأى، والتحرير بالإعلان، والعام بالخاص.. ناس «كيوت» يشخصنون الأمور لأن لهم صديقاً من الشخصيات العامة يريدون مجاملته، أو لأنهم متيمون بآخرين ولا يستطيعون انتقادهم وانتقاد تصرفاتهم حتى لا يغضبوهم ويخسروهم.

الصحافة «لمت» لصوص مقالات، وحرامية أفكار، ومدعى انفرادات بعد سرقتها من مواقع الغير وصحفهم، وحرامية كاريكاتورات مسروقة من صلاح جاهين شخصياً، أو إفيهات من كتب لشباب ساخرين لم يجدوا فرصة معرفة الناس لهم.

الصحافة «لمت»، ولم يعد الناس يثقون بها زى زمان.

من الهتاف الشهير الذى كان ينتصر للصحافة فى مدرجات كرة القدم «الصحافة فيييين… الـ….. أهه»، مؤكداً أن الصحافة «آنذاك» كانت كاشفة وفاضحة، إلى التعليق الشهير عندما تسمع خبراً نقلاً عن جريدة ما «ده كلام جرايد» والذى يؤكد أن كثيرين فقدوا الثقة فى مهنتنا.

الصحافة «لمت»، وإن لم نستطِع أن نطهرها قولاً وفعلاً وتنظيماً وقانوناً، فعلى المهنة السلام.

 

 

 

 

 

المصدر: الوطن

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.