محمد فتحى يكتب| هيكل فى التسعين

محمد-فتحي

هذا هو الأستاذ الذى يفتخر بكونه (جورنالجى) أكثر من أى لقب آخر، وهذا هو أنا (عيل) صغير يدخل دار الأوبرا المصرية ليحضر أمسية شعرية لفاروق جويدة باعتباره أعظم الشعراء (قلنا كنت عيل). يدخل هيكل مفاجئاً الجميع قبل بدء الأمسية ويرفض أن يجلس فى الصف الأول وينتقى مكاناً عادياً بجوار العيل الذى يعرفه عن طريق أحد أساتذته الذى أخبره أنهم يحاسبون هيكل بالكلمة فى الصحافة الأجنبية، فاستنكر عيل ذلك وقال: على كده صباح الخير تقف عليه بكام؟

هذا هو محمد حسنين هيكل يجلس بجانبى مرتدياً عويناته والجميع يتهافتون للترحيب به ولا يعيروننى اهتماماً، فلا أتكلم حتى يهدأ الجميع -ويا ليتنى ما تكلمت- فأقول له: مش ناوى تكتب مذكراتك يا أستاذ؟ ينظر لى وكأنه تفاجأ بوجودى، فأكمل بمنتهى البلاهة: حاجة كده زى الأستاذ أنيس منصور!!

شىء ما فى عيون الرجل وملامحه المصدومة جعلنى أتوقف عن استرسالى فجأة وكأن الكلام انتهى، لكنه ابتسم فجأة ابتسامة غريبة وهو يقول لى بعد فترة صمت: إن شاء الله.

يومها قررت أن أعرف هذا الرجل، وأن أقرأ كل كلمة كتبها ولو كانت تعليقاً مختصراً، ولو كانت أقواله عند النائب العام بعدما غضب عليه السادات، ولو كانت جملة عابرة..

بعدها لم أفوت عدداً كتب فيه من مجلة وجهات نظر، لأعيد اكتشاف الصحافة التى أدرسها من رجل عصامى بنى نفسه بنفسه رغم أنه لم يكن فى بداياته خريج أحد المعاهد الصحفية أو منتسباً لكلية من كليات الإعلام، وكان الرجل وقتها كاشفاً للعديد من الأسرار لعلاقاته بالرؤساء والزعماء الأحياء منهم والأموات، لا سيما بعد وفاة ملكى الأردن والمغرب، وفى هذه الفترة أصدر عمرو أديب مجلة لم تستمر كثيراً لكن عنوان عددها الأول الرئيسى كان: أستاذ هيكل.. ماذا سيقولون عنك -لا قدر الله- بعد وفاتك؟!

فيما بعد تعاطفت مع الرجل حين قرأت له ما يمكن تسميته بمذكراته التى سألته عنها من قبل فى كتابه البديع بين الصحافة والسياسة، لأقرأ عن خلافاته مع مصطفى أمين ودولة أخبار اليوم بكل زعمائها وزملائه القدامى، ثم قررت أن أقرأ الحكاية من الشاطئ الآخر فقرأت مذكرات موسى صبرى، والذى لم يكن يدع مناسبة إلا ويهاجم فيها هيكل، ثم قرأت أغلب الكتب التى هاجمته وانتقدته، وصولاً إلى «تفكيك هيكل» لـ«سيار الجميل».

صرت أحفظ هيكل وأتمنى لقاءه، وجاءت الفرصة حين احتفلت جريدة «الدستور» بعامها الأول فشبطت فى إبراهيم عيسى والزملاء وهم فى طريقهم إليه ليجروا حواراً معه. لكن إبراهيم عيسى موجود، فمن يمكن أن يتحدث، وكلما هممت بمقاطعة إبراهيم عيسى ولو برفع إصبعى للسؤال يكمل عيسى ولا كأننا معه، حتى فى الصورة التى التقطناها تخيرت موقعاً بجوار الرجل، فأعطانى أحد الزملاء «كتف قانونى» لأظهر فى الصورة بالكاد.

يمكن أن أكمل فى هذه السكة لأشرح يوم (شبطت) مرة ثانية فى شريف عامر وهو يجرى مع الأستاذ حواراً محترماً، وكيف يستعد شريف وكأنه فى اختبار كشف هيئة للقبول فى الحربية، مؤكداً أن الأستاذ دقيق فى مواعيده، لكن هذا هو عيد ميلاد الأستاذ التسعين، ولا أعتقد أن المساحة يمكن التهامها بذكريات شخصية أكثر من ذلك، ولهذا أريد أن أقول للأستاذ انطباعات عيل صار رجلاً -أو هكذا يظن- فى ثلث عمره أو يزيد، فقد كنت أحد هؤلاء المنفسنين والرافضين لوجود هذا الكم من الوثائق المرتبطة بتاريخ مصر لدى الرجل، لكننى سألت نفسى من يمكن أن يحميها سواه، ثم تطور الأمر لمن يمكن أن يحميها من بعده، وما زلت أحد هؤلاء الغاضبين من عزلة الأستاذ عن الشباب واقتصار لقاءاته وفنجان القهوة معه على مجموعة من رؤساء تحرير وكبار الكتاب، وكأنه اكتفى بالدورات التى عقدتها مؤسسته والذى كان الحضور فيها فى بعض الأوقات بالواسطة، وحتى إطلالاته على الشاشة مع لميس الحديدى التى تعيد صياغة نفسها مع الرجل، كنت أتمنى أن يكون للرجل إطلالة مختلفة مع شباب قاموا بثورة لم يتوقعها هو شخصياً، وجيل بلا أساتذة تقريباً لأن أساتذتهم هجروهم أو اهتموا بتثبيت أقدامهم فى ماكينة السلطة أو تجارة بمواهبهم، وإن كان لهؤلاء الذين نعرف قربهم من الأستاذ نصيب من الرجل يفخرون به ويكتبونه فى مذكراتهم، فإن خبرة الرجل التى يجب أن تنتقل لجيل مختلف قد يتعلم منه الأستاذ أهم بكثير فى هذه المرحلة التى نرجو أن يدركنا فيها قبل أن نكفر بالتاريخ نفسه، سواء نحن، أو طلاب الصحافة فى المحروسة.

يا أستاذ هيكل.. هذه السطور ليست انبهاراً بشخصك كما قد تظن أو يظن البعض، وليست طلباً للانضمام إلى مريديك ودراويشك، لكنها محاولة من (عيل) لأن يقول لك كل سنة وانت طيب على طريقته، وأخشى أن أقول لك عقبال ١٠٠ سنة فتفهمها خطأ لأنك اقتربت منها بالفعل.

عمر مديد للجورنالجى الذى مهما اختلفنا معه، فلن نختلف عليه.

المصدر : جريدة الوطن

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.